” الآخر بين الجحيم والمرآة ” – بقلم د. نادين طربيه 

الثلاثاء, 15 مايو 2018, 1:29

رادار نيوز – صنّف سارتر الإنسان الآخر بقوله :” الجحيم هو الآخرون”، عن أيّ جحيمٍ يتحدّث سارتر؟ هل كان سارتر ينظر إلى العلاقة بين الفرد ونظيره على أنّها علاقة انفصاليّة، خارجيّة؟!

نحن كبشر فُرض علينا هذا الوجود فرضًا نهتمّ به بوساطة ما تستنتجه الذات المدرِكة، وهذه الذّات في مواجهة الكون لا تقدر إلّا أن تتمدّد نحو خط الاحتكاك الأساسيّ نحو مساحة الاتّصال بالآخر ضمن مساحة الوعي..يستدرك سارتر في مكان آخر فيقول :” الغير هو الآخر ، الأنا الذي ليس أنا.” على ما يبدو لنا للوهلة الأولى هناك حالة تناقض بين الأنا والآخر، لكن الأنا عادة ما تعيش في عمقها حالة صراع مع آخر من نسيجها الخاصّ أي أنّه ليس خارجًا عنها،فهي تختبر علاقة صراع بين الآخر الذي فيها والآخر الذي هو في خارجها . فلم هذا التّشظي بين آخر تنسجمُ معه وآخر تصنّفه جحيمًا لها؟!

هل تقتدر الأنا أن توصل فكرتها عن ذاتها إلى الآخر الخارجي كما تريد وتحلم؟ أليست الأنا المعروضة في حقل التجارب الوجودية هي بالنسبة إلى الآخر أنا إسقاطية تحوي النظرة التصنيفية إليها الكثير من الاختزال؟ هل ستتمكّن هذه الأنا من تحديد سماتها وآليّة وجودها الفعّال في بيئة منعزلة عن غيرها؟

أثبتت تجارب علم النّفس أنّ الإنسانَ يقدرُ على تصنيفِ ذاته من خلال احتكاكِه بالآخر، فهذا الجحيم المفترض بحسب جان بول سارتر أساسيٌّ لكلّ إنسان يتنفّس على هذه البسيطة.أي أنّنا ندرك الذات التي فينا من خلال هذا الآخر الذي هوألد أعدائها، المسألة سهلة هنا، فنحن كالشهود على أنفسنا، نراقب ما يحصل فيها: ما يحصل فيها من أحكامٍ وانفعالاتٍ ومشاعرَ، من قراراتٍ وذكرياتٍ و مخاوفَ، لكننا ضمن البيئة النفسيّة والاجتماعيّة ننتظر حكمًا ما من الآخرين الذين يراقبون سلوكنا بدقة.  وشئنا أمأبينا

آراء الآخرين تؤثر في بناء الحكم الذي نطلقه على ذواتنا، لأننا عادة ما نحاول إحصاء نجاحات الأنا أو سقطاتها و خيباتها من خلال تفاعل الآخرين معها.

والمعيار حتى يكون معيارًا عليه أن يكون موضوعيًا بعيدًا عن الذاتية لذا نلجأ منذ الصّغر إلى الآخرين حتى يصنفونا.

فكم من مرة قارن الناس بين طفلٍ وآخر من ناحية الجمال والذكاء وسرعة البديهة، وكم من حكمٍ أطلق علينا و حاولنا تجاهله لكننا كنا نخاف في عمق أعماقنا أن يكون صحيحًا!؟

أعتقد سارتر لم يقصد في قوله تكفير الآخر بل كشف النقاب عن حقيقة الذات، هذه الحقيقة التي قد لا ترضي الفرد وهي عادةً ما تتمظهر في حكم الآخر علينا أوتقويمه لنا.

الآخر هو مرآتنا تبوح لنا بقباحتنا حينًا و بإبداعنا في أحيان أخرى، نعيش من خلالها حالة الرضى عن الذات أو حالة النكران والرّفض، من هنا نحن في أمسّ الحاجة إلى لغة التعاطف مع بعضنا من حيث آلية إطلاق الأحكام والتّصنيفات، نحن نحتاج إذًا إلى فيضٍ من الحبّ والرّفق حتى نحميَ الإنسانية من موجةِ الحقد والمادّيّة التي ستحوّل الرّوح التي فينا عاجلاً أم آجلاً إلى قيدٍ وموتٍ و فراغٍ.

إضغط هنا
Previous Story

أردوغان: الجامعات التركية ستمنح تصاريح الإقامة للطلاب الأجانب

Next Story

يوم دامٍ في غزة واستعدادات لمسيرات جديدة اليوم عشرات القتلى ومئات الجرحى وغارات إسرائيلية على القطاع

Latest from Blog

رئيس مجلس إدارة شركة HSC حسين صالح:* نتمسّك باليد العاملة اللبنانية ونصر على استقطابها لأنها ضمانة استمرارنا ونجاحنا كخلية نحل لا تهدأ

*رئيس مجلس إدارة شركة HSC حسين صالح:* نتمسّك باليد العاملة اللبنانية ونصر على استقطابها لأنها ضمانة استمرارنا ونجاحنا كخلية نحل لا تهدأتواصل شركة HSC عملها الدؤوب لتقديم أفضل الخدمات لزبائنها، متحدّيةً كل
Go toTop