رادار نيوز – اذا كان العنوان الابرز الذي خرق «التوتر والاستنفار الذي تعيشه البلاد، سجل من عين التينة، فان هدية اهالي العسكريين الاسرى من ساحة رياض الصلح بمناسبة الاعياد، لم تسقط عمليا حقيقة المراوحة التي يتخبط بها الملف، الذي ظل يراوح مكانه من دون اي تطور على رغم دخول الوسيط الجنبلاطي على الخط حاملا رسائل ايجابية لم تلقَ صداها حتى الساعة عند الحكومة، اقله لجهة حسم تكليفه رسميا ووقف «المضاربة» التي يتولاها الشيخ وسام المصري بتكليف من جهات امنية.
فالاحداث المتسارعة ادت الى تفاقم قضية العسكريين تقول مصادر متابعة للملف، مضيفة عليها مزيدا من التعقيد والغموض، بين التطورات العسكرية الميدانية، على خط توسيع «داعش» نطاق سيطرته على خط جبهة القلمون في اطار توجه عام لدى التنظيم للسيطرة على المعابر الحدودية مع لبنان والاردن، ما يعني مقاربة جديدة ورؤية مغايرة للتعامل مع تطورات واحداث متسارعة في ملف العسكريين تفترض تسريع التفاوض واحداث اختراقات جدية، وبين التخبط السياسي والفوضى الحكومية اللبنانية في مقاربة الملف، وسط تعدد الرؤوس المفاوضة بناء على تكليف جهات سياسية.
فبعدما كان المصري بدأ وساطته بمحاولة الحصول على تعهد من المسلحين بوقف التهديد بقتل العسكريين، فإن الفليطي قرر أن يبدأ مهمته بالحصول على تعهد لـ «داعش» بإطلاق النساء الموقوفات كمقدمة لقبول التفاوض، في تحرك جنبلاطي «منسق» مع تيار المستقبل، ولا يحظى بغطاء الرئيس بري، ما أثار حفيظة جهات في الثامن من آذار، حيث سألت مصادر مقربة من حزب الله عن رهان المختارة المستجد على إمكانية التفاهم مع «داعش»، وعن أوراق القوة التي يملكها البيك لفتح قنوات حوار مع الخاطفين، وعن الخبرة التي يمتلكها الوزير أبوفاعور لإدارة هذا الملف المعقد، وعن الهدف الذي يريد جنبلاط الوصول إليه وما إذا كان الأمر يقتصر على تحرير العسكريين وبينهم دروز، أو يتجاوز ذلك الى رغبة تحقيق خرق جدي عبر قنوات اتصال «جهادية» يمكن أن تستخدم لاحقا في أي ترتيبات إذا خرجت الأوضاع عن السيطرة على الحدود اللبنانية السورية.
وفيما هذه الحركة غير ناضجة في ظل غياب بركة الحكومة القريبة، تعيش الدولة مرة جديدة، تضيف المصادر، ضياع هويتها وتطلعاتها، واهالي العسكريين يعيشون مجددا ضياع بوصلة الوسطاء. فالاسماء تتبدل وكل واحد منها مدعوم من جهة حكومية او امنية، ليبقى الملف مضعضعا واوراقه مبعثرة،ليضاف الى كل ذلك «قنبلة» لاريجاني الذي ابدى «الاستعداد لكل ما يطلب من ايران في ملف العسكريين، رغم ان الدور الاساس يقع على عاتق الدول التي مولت ودعمت الارهابيين».
الاكيد ان نجاح رئيس «جبهة النضال الوطني» في فتح خط تواصل مباشر مع الدولة الاسلامية لاول مرة منذ بدء الازمة، كسر الرتابة على حدّ قول المصادر،التي كانت تنتاب الملف، بعد اعتذار الشيخ مصطفى الحجيري، بعد اصرار من البيك على حل ازمة العسكريين عن الطريق العرسالية، وتذكيته لنائب رئيس البلدية غير المحروق لدى بعض الاطراف السياسية .
والى حين تبيان الخيط الابيض من الخيط الاسود في وساطة الفليطي، التي لم تتخطى طور الاعداد حتى الساعة، رغم الكلام عن امكان توجه الفليطي الى الجرود خلال الساعات القادمة على ان يصطحب معه خلال عودته اسير ام اسيرين، يستمر القلق تضيف المصادر، مسيطرا ليس بسبب تعدد الراغبين في لعب دور الوسيط، بل نتيجة خصخصة الوساطة وفي عدم تبني الحكومة مجتمعة تكليف احمد الفليطي وتركها الامر على همة النائب جنبلاط، ما قد يجعل المقايضة بكاملها بلا افق عندما يبدأ الكلام بتفاصيل المقايضة والالتزامات التي حددها الشيخ نعيم قاسم خلال لقائه وفد الاهالي.وفي هذا الاطار قرأت المصادر جملة من المعطيات ابرزها:
– رغبة داعش في ايجاد حل سريع لملف المخطوفين، وابداء استعدادها لتليين مواقفها في التفاوض والمقايضة، للتفرغ الى معركته مع الفصائل المسلحة، رغم ان الوضع الحالي في الجرود لا يؤشر الى امكانية اجراء مفاوضات «هادئة»، من هنا المخاوف من ان يكون خاطفو العسكريين يتبادلون الادوار ويسعون الى ترويج مطالبهم اعلاميا، رغم الجدية التي يتحدث عنها الوسيطان المتنافسان .
– اعتقاد مصادر في خلية الازمة ان ملف العسكريين لا يزال يراوح في المربع الاول، في غياب اي مؤشرات الى دخول خارطة طريق رئيس الحكومة حيز التنفيذ، وفي ظل اصرار الشيخ المصري مدعوما من اللواء ابراهيم بوساطته، وفشل النائب وليد جنبلاط في الحصول على تفويض حكومي لنائب رئيس بلدية عرسال حتى الساعة نتيجة «تريث» بعض الاطراف في حسم خياراتها، والحديث عن تبلغ الاهالي وعدا من رئيس الحكومة والوزراء جنبلاط ابو فاعور المشنوق بان وزير الداخلية سيلتقي الفليطي ويكلفه رسميا بالملف خلال الساعات القادمة.
– استياء كبير عند فريق الثامن من آذار من دخول «البيك» بكل ثقله على خط المفاوضات وسعيه لحصر الملف بوسيطه، فيما تصر هذه القوى على حصر القضية بالخلية الامنية وبيد اللواء عباس ابراهيم كضمانة لعدم خروج المقايضة عن الحدود «المسموح بها»، مستهجنة اصرار بعض الوزراء على التصرف بالملف كأنه ملك خاص .
– فتح الشيخ جاسم العساكر شيخ قبائل العرب خطوط اتصال مع عدد من وجهاء العشائر العربية الموجودة في سوريا، وسط دور لرئيس «الائتلاف الوطني السوري» المعارض السابق احمد الجربا، تسهيلا لمهمة الفليطي.
– ملف العسكريين لا يتشابه أكان بالوقائع أم بالمعطيات والحيثيات مع ملفي مخطوفي أعزاز وراهبات معلولا، اللذين لعبت بهما العديد من الجهات الدولية والإقليمية وفي طليعتهم تركيا، فيما ملف العسكريين محصور بين فريق سوري مسلح والدولة اللبنانية، لذلك يعتبر الفليطي أن الشارع اللبناني والحكومة اللبنانية وحدهما معنيان بملف العسكريين وعلى الأخيرة أن تحسم خياراتها به.
– حصول احمد فليطي على لائحة من المطالب والتي لا تتضمن اسماء نافرة من الموقوفين الاسلاميين، وفي التفاصيل تحدثت المصادر عن شبه اتفاق توضع اللمسات الاخيرة عليه ويقضي :
أ – افراج المسلحين عن اربعة جنود يعانون من وضع صحي دقيق (مسيحي اصيب خلال الاشتباكات، درزي اصيب بالمرض، سني يعاني من قصور في وظائف الكبد، وشيعي يعاني من التهاب حاد في الرجل سبب له عجزا عن السير)
ب – في المقابل تعمد الدولة الى اطلاق سراح سجى الدليمي واولادها الاربعة (الذين احتفظت بهم معها في مكان توقيفها في وزارة الدفاع طوال الفترة الماضية بعد رفضهم نقلهم الى دار حضانة، خلافا لكل ما سرب في الاعلام)، اطلاق سراح زوجة الشيشاني بعد ان تسلم اهلها لاولاده بعيد توقيفها، اطلاق جمانة حميد (وهو امر حتى الساعة لم يحصل على موافقة حزب الله)، اطلاق سراح براء مصطفى الحجيري الذي اصدر قاضي التحقيق العسكري قرارا بالافراج عنه بكفالة مالية منذ اسبوعين، الا ان الجهات الامنية لم تنفذ القرار، اطلاق سراح علي الحجيري وحسن الحجيري الموقوفين في سجن رومية ، بموجب قرار اتهامي اصدره القاضي فادي صوان يتعلق باستشهاد كل من النقيب بيار بشعلاني والرقيب ابراهيم زهرمان، وهم من اقارب احمد الخطيب الوسيط القطري السابق (يقال ان عدم اطلاقهم كان من اهم اسباب وقف المبادرة القطرية)
ايا يكن تبقى الامور مرهونة بخواتيمها، وسط المخاوف لدى اكثر من جهة من طابور خامس يعمل على «الخربطة»، الذي بدأت طلائعها مع اعادة تسريب المعلومات المغلوطة عن «مهام ارهابية» كلفت بها الدليمي. السباق على اشده بين الوساطة التي تتسارع خطواتها في السر والعلن وبين الساعين لافشالها، فمن حظ من الوصول الى خط النهاية اولا؟




