رادار نيوز – نظم المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ندوة بعنوان “الميثاقية ونهائية الكيان اللبناني”، لمناسبة ذكرى رحيل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، برعاية نائب رئيس المجلس الشيخ عبد الامير قبلان في المدرسة العاملية، حضرها الى عائلة الراحل حشد من الشخصيات السياسية والثقافية والاجتماعية ومفتو المناطق وقضاة المحاكم الشرعية وفاعليات تربوية واجتماعية وعلماء دين من مختلف المناطق والطوائف.
بيضون
وألقى رئيس الجمعية الخيرية العاملية الوزير السابق محمد يوسف بيضون كلمة افتتاحية جاء فيها: “بين العاملية وسماحة الإمام محمد مهدي شمس الدين مسيرة حافلة بالعطاء تمثلت بالدور الريادي الذي اعتمده سماحة الإمام رضوان الله عليه في الحلقات الدينية والتوجيهية التي كان يقيمها في مسجد الصفاء، برعاية وعناية من الجمعية الخيرية الإسلامية العاملية. وكما هو معلوم فإن الجمعية العاملية ومنذ تأسيسها عام 1923 عملت على نسج علاقات طيبة مع رجال الدين والعلماء أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر العلامة الحجة السيد محسن الأمين والشيخ خليل مغنية والعالم المجتهد السيد عبد الحسين شرف الدين، والشيخ محسن شرارة والشيخ عبد الحسين صادق، والسيد محمد ابراهيم الحسيني، والشيخ منير عسيران، والسيد محمد يحي صفي الدين، والإمام أبو الحسن الموسوي الأصبهاني، وسماحة الإمام المغيب السيد موسى الصدر والإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين والإمام الشيخ عبد الأمير قبلان، وحجة الإسلام الشيخ عبد الأمير شمس الدين، والعلامة الشيخ ابراهيم سليمان والمرجع العلامة السيد محمد حسين فضل الله وغيرهم من السادة الأجلاء..
اضاف بيضون: “عاش الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين في العراق دارسا ومفكرا ومعاونا للمرجع السيد محسن الحكيم الذي كلفه إدارة شؤون المرجعية في منطقة الفرات الأوسط من العام 1961 حتى العام 1969، وأثناء إقامته في العراق رافق أعلاما كبارا منهم: السيد موسى الصدر والسيد محمد باقر الصدر، والسيد محمد باقر الحكيم والسيد مهدي الحكيم والسيد محمد تقي الحكيم، وشكل مع هؤلاء الأعلام حلقة التفت حول المرجعين السيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي، هذه المرافقة أكسبته كما معرفيا في أصول الدين والفقه والشريعة السمحاء.. برز نجم الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين في تلك الحقبة وأصدر كتاب “نظام الحكم والإدارة في الإسلام” وكتاب “بين الجاهلية والإسلام”، هذان الكتابان أحدثا ضجة كبرى في العالم الإسلامي في مواجهة التيارات السياسية والفكرية آنذاك”.
وتابع: “عمل الإمام شمس الدين على نشر الفكر الإسلامي المتنور والمتماهي مع ثقافة العصر، فكان من رواد المجددين في تنظيم الدراسة في الحوزة الدينية، كما عمل على تطوير المأتم الحسيني بما يلائم روح العصر بعيدا عن الغلو والتعصب، وظهر ذلك جليا من خلال خطبه في إحياء مراسم عاشوراء التي تقيمها الجمعية الخيرية الإسلامية العاملية منذ ما يزيد عن ثمانية عقود، هادفا إلى جعل المناسبة العاشورائية ندوة فكرية دائمة، بارزا أهمية النهضة الحسينية وأهدافها الإنسانية في مقاومة الظلم والإستبداد، مخرجا الإمام الحسين عليه السلام من الدائرة الإسلامية الضيقة إلى العالم الإنساني الرحب”.
واشار الى “ان الإمام محمد مهدي شمس الدين شارك سماحة الأمام المغيب السيد موسى الصدر في تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وكان إلى جانبه في رسم هوية المجلس كمرجعية إسلامية وطنية منفتحة على الاخرين مؤمنة بالتنوع الوطني والتعددية المنضوية تحت مظلة العيش المشترك والمواطنة الحقيقية والإيمان أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه. لقد عبر الإمام شمس الدين عن أفكاره التوحيدية الوطنية من خلال المحاضرات والمقالات التي نشرها في الصحف والمجلات كداعية الى إحترام الذات الإنسانية، ونشر مفاهيم الإصلاح الإجتماعي برؤية إسلامية متجددة باعثا في نفوس الشباب مناعة فكرية وعقيدة إيمانية راسخة في وجه المادية. وإستمر الجهد الفكري والفقهي للإمام شمس الدين يعمل على إستنباط الموضوعات والإشكاليات وطرح الأسئلة القلقة التي أصبحت في ما بعد عناوين الحوارات في لبنان والعالمين الإسلامي والعربي فكانت أفكاره حول الدولة المدنية العادلة لمواطنين أحرار متساوين في الحقوق والواجبات.. كما كان للمرأة حيز مهم في فكر الإمام شمس الدين، وفي كتابه (مسائل حرجة في فقه المرأة) دعا الى جواز تولي المرأة للسلطة!!”.
واردف بيضون: “كان المغفور له سماحة الإمام محمد مهدي شمس الدين رجل مؤسسات يؤمن بالعمل الجماعي، فقد أسس الجمعية الخيرية الإسلامية وأسس معها مؤسسات أذكر منها: المعهد الفني الإسلامي، ثانوية الضحى، مبرات السيدة زينب، ومدرسة السيدة زينب، ومجمع الغدير التربوي في البقاع، وجامع الإمام الصادق الواقع عند مستديرة شاتيلا في بيروت. لقد برز الإمام شمس الدين إماما مجددا وعالما مفكرا منفتحا مما أهله ليحتل دورا بارزا في حوار المسلمين مع ذاتهم، وقيامه بزيارة معظم الدول الإسلامية والعربية ساعيا إلى تشبيك علاقات سليمة بين المسلمين، كما برز دوره في حوار الأديان والحضارات، ولا يفوتني أن أشير إلى رسالته الشهيرة إلى مؤتمر الحوار الإسلامي المسيحي في طرابلس الغرب (شباط 1976) وصولا إلى رسالته للسينودس العام للأساقفة الكاثوليك حول لبنان المنعقد في الفاتيكان (أواخر عام 1995). كما عمل سماحته على الحوار البناء بين المسلمين في مصر والسعودية والعراق والكويت، وشجع على الحوار الإسلامي المسيحي في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ودوره في نشر المحبة والتسامح وروح المواطنة بين جميع اللبنانيين”.
وختم بيضون بالقول: “في هذه العجالة والوقت غير المتاح لا أستطيع أن أتناول حياة هذا الإمام العظيم ذي الفكر المتنور والداعية الإسلامي المتحرر من قيود التعصب والتمذهب والإنغلاق…سيظل إرث الأمام شمس الدين ذخيرة خير ورجاء إلى الأمة الإسلامية، وسيبقى فكره منارة ترشدنا الى ما فيه خير وطننا وعزته وكرامته”.
مطر
وألقى رئيس اساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر كلمة قال فيها: “يشرفني أن ألبي هذه الدعوة الكريمة التي وجهها الي قيمون أجلاء في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وبرعاية مباركة من حضرة رئيسه صاحب السماحة الشيخ الفاضل والمحب عبد الأمير قبلان، أدامه الله، لأشارك في ندوة فكرية يقيمها في مناسبة ذكرى رحيل الشيخ الكبير والمرجع المنير الشيخ مهدي شمس الدين طيب الله ثراه. وقد خصص لهذا اللقاء الجامع موضوع جوهري يتعلق بصيرورة هذا الوطن العزيز وبمصير شعبه الطيب الأصيل، وهو بعنوان: “الميثاقية ونهائية الكيان اللبناني”.
اضاف: “لقد سبق صاحب السماحة وصاحب الدار وأكرمنا لسنوات على التوالي حين دعانا إلى التكلم في حضرته ضمن مناسبات عاشورائية جليلة وفي قاعة فسيحة من قاعات المجلس أطلق عليها بروحه السنية اسم قاعة الوحدة الوطنية. ولم تكن هذه الدعوات سوى تعابير متكررة عن محبته الكبرى للوطن والمواطنين بأطيافهم ومذاهبهم كافة، وعن نهج سار عليه المجلس بقيادته الرشيدة وبالأمانة السامية لتراث روحي ووطني رائع راح يغتني على التوالي بفضله وبفضل الرئيسين السابقين له، وهما سماحة الإمام المؤسس والمغيب السيد موسى الصدر أعاده الله إلى أمته بعد طول انتظار، وسماحة الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي نجتمع اليوم حول ذكراه العطرة وفي رحاب فكره الذي أضاء للبنانيين طريق الخروج من محنة قاسية أصابتهم على مدى ربع قرن من الزمن”.
وتابع: “وللدخول مباشرة في صلب الموضوع، نستشهد بكلام سماحة الإمام شمس الدين في موضوع العيش المشترك في لبنان والميثاق الذي من شأنه أن يعبر عن إرادة هذا العيش وأن يطوره ويحميه، والكيان الذي يؤسس له هذا الميثاق والذي يعتبر قيمة حضارية إقليمية وعالمية، يجدر أن يحافظ عليها، حيث يقول: “نحن في لبنان نعتبر، بالرغم من كل تشكيك واتهام، أننا أنجزنا أفضل صيغة في التاريخ للعيش المشترك. ونحن نعتبر المحافظة عليها وصونها وترسيخها واجبا دينيا وليس واجبا سياسيا فقط”.
اضاف: “أكثر من هذا، يتابع سماحته، فإني أقول بصراحة إن الأطروحة الحارة والساطعة التي سادت في العقدين الأخيرين عن سعي المجتمع اللبناني إلى إلغاء نظامه القائم فعلا على ما يسمى نظام الطائفية السياسية- أنا أدعو الآن فقط إلى تجميد هذا السعي بل إلى العدول عنه. أعتبر أن هذا إنجاز من أعظم إنجازات الروح والعقل في لبنان. وقد يكون نموذجا ينبغي أن يستفيد منه الآخرون الذين يعيشون في مجتمعات تنطوي على نسبة أو أخرى، كبيرة أو صغيرة، من التعددية”.
وتابع المطران مطر: “أمام هذا الكلام الخطير والذي يحمل قوة اقتناع وإقناع لا لبس فيها ولا تشكيك، لا بد من أن نطرح السؤال عن المقومات الفكرية التي أوحت مثل هذه القناعة ومثل هذا الإقناع. ونحن في هذا المجال لا نبدي سوى رأينا الخاص وهو قابل لكل نقاش وكل أخذ ورد. فنعود لماما إلى تاريخ المنطقة برمته، مستعرضين كل أزمنة التلاقي بين المسيحية والإسلام على أرض هذا المشرق وفي كل المناطق المحيطة. لقد عرفت مجتمعاتنا خلال هذا التاريخ حكم الخلافة أولا، بعهديها الأموي والعباسي. وكان الحكم فيه عربيا سمحا. وأعطي لأهل الكتاب مكانة يحفظها القرآن لهم، ودون منة من أحد سوى من رب العالمين”.
وقال: “ولئن كانت بعض المضايقات قد حصلت لهذا المذهب أو ذاك، إلا أن موضوع الحريات الدينية لم يكن بعد قد طرح بشكل واسع أو بصورة عميقة. حتى أن بعض المضايقات التي عرفها المسيحيون قد بدأت من صنع المسيحيين أنفسهم وفي جو خلافات ناجمة في ما بينهم على أسس تفسير العقيدة والفصل في حقيقتها وفي اعتناقها دون سواها. ثم عرفت منطقتنا مرحلة عابرة دامت حوالي مئتين من السنوات، حدثت فيها حروب الفرنجة وغزواتها باسم تحرير الطريق إلى القدس وتحت شعار الصليب الذي لم يكن أصلا سوى علامة محبة ومصالحة وفداء والذي لا تقبل المسيحية أبدا بأن يتحول إلى راية قتال. هذه المرحلة خلقت بعض الالتباس بين المسيحية والصليبية. لكن مسيحيي الشرق أثبتوا بكل إخلاص أنهم شرقيون وأن مصيرهم يندرج ومصير أخوتهم المسلمين وهم لا يريدون لذواتهم حياة بعيدة عنهم أو على انفصال”.
واضاف: “وبعدها مرت المنطقة بحكم المماليك وبأمبراطورية العثمانيين التي امتد زمانها إلى أكثر من أربعة قرون. فتغيرت الظروف وتسارعت الأحداث، بحيث عرف الشرق في بعض هذه الحقبة حياة غير مستقرة بين الأديان والمذاهب. ووقعت اضطهادات لمسيحيين ولمسلمين على السواء. أو كان لطائفة أن تهيمن على طوائف أخرى لا باسم الإيمان والعقيدة بل بواقع الحال أو بفعل النظرة إلى الاستقرار الذي كان البعض يراه وليد هيمنة أو استئثار. فطرحت قضية الحرية الدينية بشكلها الواسع، وطرح موضوع الشعوب غير التركية واستعادة كيانها السياسي على بساط البحث. وفي هذه المرحلة بالذات طرحت أيضا قضية المواطنة بين أناس ينتمون إلى أديان ومذاهب مختلفة بحيث تسود المساواة بين مواطن وآخر كائنا من كان، ومن دون النظر إلى انتمائه الديني أو الثقافي وصولا إلى بوتقات قومية تجمع بين الناس على أساس عيشهم المشترك وارتباطهم الواحد بالآخر بفعل التاريخ الواحد والقيم التي تسند حياتهم”.
واردف مطر: “نستذكر باختصار هذه النقاط المدونة في سياق هذا التاريخ لننظر بخاصة إلى لبنان وإلى تكوينه وطنا وشعبا على مدى هذه الحقبات المذكورة أعلاه. فنحن جماعات أتت إلى لبنان أو كانت من سكانه الأصليين، وقد كونت تباعا هذا النسيج الوطني الخاص فجاء الوطن متعددا على صورتها ومثالها، كما هي تأثرت بطبيعة الوطن، صخورا وأودية وجبالا، فتوحدت بدورها على صورته ومثاله، حتى أننا نستطيع القول بأن لبنان قد صنع اللبنانيين كما أن اللبنانيين هم أيضا صنعوا ويصنعون لبنان. أما الجامع المشترك بين هذه الأطياف جميعا فلقد تمثل أولا بالحرية الدينية والمطالبة بها شرطا أوليا لاستقامة العيش والحياة، ومن ثم بحق المشاركة في صنع المصير فيتقرر على يد أبنائه، وعلى يد كل أبنائه دون استثناء”.
وقال: “ما يميز هذه الجماعة اللبنانية المتماسكة يوما بعد يوم، أن الناس فيها التقوا بعضهم بعضا وتداخلوا في ما بينهم عبر المناطق والطوائف، فبنوا لأنفسهم قرى ووسائل مشتركة للسكن وتعاونوا معا في السعي وراء الحياة بعزة وكرامة أرادها الجميع للجميع. ومن رحم هذا التواصل السائر نحو ازدياد، ولد الميثاق وانبلجت الميثاقية التي تعتبر أساسا وضمانة لكل عيش مشترك كريم. فالميثاق هو جسر العبور لأي جماعات متعددة إلى وحدة للوطن والكيان. وعلى أساسها تتوافق الجماعات على احترام بعضها البعض، وعلى صوغ المصير المشترك بحيث يصبح كل نجاح لجماعة قوة نجاح للجماعات كلها. لا بل عندما نعقد كلنا ميثاقا نصبح كلنا ميثاقيين، ويتمسك كل منا بحرية الآخر كما بمشاركة الآخر، وبالمساواة معه في كل الحقوق وكل الواجبات. وكل تراجع بعدها عن الميثاق يمسي موتا للجميع وكل تمسك به فرصة حياة وتقدم للجميع. أفليست هذه صفات العيش المشترك الذي يرى فيه سماحة الإمام محمد مهدي شمس الدين قوة للبنان وفخرا للبنانيين؟
وتساءل المطران مطر: “ولكن، ومع الانتقال إلى المقولة الثانية من حديثنا حول نهائية الكيان اللبناني، فهل ترى من مبرر ليعتبر هذا الكيان اللبناني نهائيا ومن يستطيع أن يضمن النهائية هذه في شرق ما عرف بداية لشيء إلا ورأى لها نهاية عبر تقلبات الزمن وتضارب الأحداث؟ وللإجابة على هذا التساؤل وبروح العلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين، أود أولا أن أنقل أجواء المجمع السينودوسي في حاضرة الفاتيكان الذي خصص للشرق الأوسط في العام 2010. فلقد أجمع الآباء المشاركون في هذا اللقاء الكنسي العالمي على أن قضايا الشرق ستتقدم نحو الحلول الملائمة إذا ما ضمنت فيه حرية المعتقد، وارتاح كل إلى عبادته دون أن يسائله عنها أحد، وإذا ما قبل الحكام والقوى الفاعلة فكرة المواطنية المتساوية بين أهل أي بلد من بلدان هذا الشرق المأزوم. إزاء هذه الأفكار وهذه المقترحات البناءة إلى أقصى حدود، قلت في نفسي وكنت أحد المشاركين في هذا السينودس، أن لبنان قد حقق في واقع أهله وفي كيانه الدستوري هذين المطلبين اللذين يخصصان اليوم للشرق من أجل تقدمه وإنقاذه. فلبنان لم يكرس حرية العبادة في دستوره وحسب، بل ذهب إلى أقصى حدود الحرية وهي حرية المعتقد والضمير. لا بل هو أدخل هذا الإنجاز في دستوره للعام 1926. أما المواطنة، فقد عرفها لبنان بامتياز لأنه تخطى فكرة الدولة الدينية وكرس احترام جميع الأديان وساوى بين المواطنين جميعا أي إنه قبل فكرة المواطنة وقدمها مثالا يحتذى به إلى شعوب المنطقة بأسرها. هذا فيما كان الناس رعايا على مدى حكم السلطنة العثمانية ولم يكونوا متساوين في ما بينهم لأن حقوق الإنسان كانت تعطى لواحد ولكن ليس بمقدار متساو مع غيره من الناس”.
واردف: “لهذه الأمور كلها، ينبري لبنان اليوم دولة متقدمة دستوريا بالنسبة لأهل المنطقة بأسرها. فيما الدول المحيطة تعيد النظر بدساتيرها وبطرق حكمها كما بتأمين وحدة شعوبها وأبنائها. لقد طرحت على بساط البحث في سوريا وفي العراق كما في اليمن وغيرها من البلدان قضية وحدة الشعب بأطيافه المتعددة وراح الناس يتصورون تقسيم الشرق من جديد لا على أسس من كيانات دستورية بل انطلاقا من الانتماءات المذهبية كما لو أن كل مذهب صار وطنا أو صار أمة. في زمن العثمانيين كانت المنطقة كلها تحت حكم واحد مع تعدد شعوبها وثقافاتها. لكن رعاياها لم يكونوا متمتعين بالمساواة في ما بينهم. حتى أن أوروبا ألزمت السلطات العثمانية تحت ضغوط متعددة بأن تصدر قانونا خاصا دعي “بخطي همايوني” يضع بموجبه الرعايا من كل الأطياف في وضع المساواة في ما بينهم جميعا. لكن لم يتم نقل هؤلاء من خانة الرعايا إلى خانة المواطنين، وكأن هذه الأمبراطورية كانت تسترجع وضع روما القديمة حيث كانت القوانين تميز بين الرومان والبرابرة تمييزا واضحا في سلبيته”.
وتابع: “وإذا عدنا إلى هذا الشرق مئة عام بعد انقضاء السلطنة العثمانية نرى أن دولا متعددة فيه راحت تعيد كتابة دساتيرها من جديد وتفتش عن العيش المشترك بين الأطياف والمذاهب ولا تراه. فالمشاركة في الحكم غير واضحة حتى بين المذاهب من الدين الواحد، والتمييز بين فئات الشعب وأطيافه جلي للعيان. فإذا نظرنا في ضوء هذه الأمور إلى لبنان، لوجدنا أن معضلات قديمة قد تخطاها دستورنا وقد تخطاها ميثاقنا تخطيا جليا. حتى أن العلاقات بين المسيحيين أنفسهم في لبنان تفوق بصفائها أية علاقة بين المسيحيين في كل من روسيا وأميركا على السواء، سواء بين الأرثوذكس والكاثوليك أم بين الكاثوليك والإنجيليين. وهكذا يقال عن العلاقات بين المسلمين أنفسهم. فهي في لبنان علاقات صافية على مستوى الشعب وعلى الرغم من المطالبات الكثيرة في كل مجال”.
اضاف: “نحن هنا نتشارك جميعا في الحكم ولو ضمن نظام يقبل سماحة الشيخ شمس الدين بتطويره وإصلاحه لكنه لا يقبل بقتله. إن مستوى العيش المشترك عندنا مرتفع منسوبه إلى حد المقبول وأكثر، والحمد لله. بهذا المعنى يبقى لبنان في المنطقة ذلك المثال لما يمكن أن يصير عليه الناس في الدول المحيطة ولذلك يجب أن يبقى هذا الوطن ويستمر ليكون هاديا باختباره الإنساني لغيره من الدول الصديقة كما الشقيقة. إنه كيان نهائي لأبنائه لأنه كيان سباق في مجالات الحرية والديمقراطية والمساواة ولو كان علينا أن نقوم بجهد كبير لنصل معه إلى كل غاياتنا المنشودة. فتراثنا تراث فريد لا يستغنى عنه وهو قيمة في قلب التاريخ ومن أجل استكمال هذا التاريخ نحو الأفضل”.
وقال: “لقد اعتقد بعض الناس في بدايات الأحداث أن لبنان وطن يمكن الاستغناء عنه أو هو وطن شواذ بين أوطان تسبقه سياسيا واقتصاديا وعلى غير صعيد. لكن الأحداث أثبتت صلابة لبنان وعظم تجربته الإنسانية لكي يصبح هو المرجع في الشرق الأوسط للعيش المشترك المستقر، فيثبت ويتقوى أمام غيره من الدول والشعوب”.
وختم بالقول: “لكل هذا، قال سماحة الشيخ شمس الدين عن لبنان ما قاله وعن قيمة نظامه الحالي بالنسبة إلى غيره من نظم الدول. وطلب أن نحافظ على لبنان وعلى وحدته وتنوعه في آن وعلى حرياته وعيشه المشترك الذي كان ويبقى أهم إنجاز من إنجازاتنا. وعندما طلب سماحته من طائفته الكريمة أن تكون مع مشروع الدولة في لبنان وغيره من البلدان أوصى الجميع بالمواطنة ولقاء الآخر واحترامه والدفاع عنه أو الدفاع معا عن الجميع. فالشكر لمن أطلق هذه الوصية الإنقاذية للبنان والمنطقة وأعطانا جميعا أن نستمتع إلى كلمات أهل الهدى والتقى لعلنا نصير من المهتدين. والسلام عليكم يا أهل جماعة أنجبت أمثال السيد موسى الصدر والشيخ مهدي شمس الدين وسماحة الشيخ عبد الأمير قبلان وخير أمنية لنا أن نبقى موحدين على محبة لبنان وعلى محبة المنطقة التي انطلقت منها هديات السماء ولنسأل الله على الدوام عفوه ورضاه، له المجد أبد الدهور. وشكرا لإصغائكم”.
المفتي قبلان
والقى المفتي الجعفري الممتاز الشيخ احمد قبلان كلمة قال فيها: “لأن الإنسانية فطرة الله وأساس أهداف الرب بالإنسان، ولأن ضمان “مصالح الوطن” بما هي “مصالح إنسان” ضرورة دين، يصح أن نبدأ “كيانية لبنان المهشمة” وما يصيبه من “تمزيق طائفي وولاءات عابرة” على طريقة “لبناننا ولبنانكم” بقوله تعالى: ((ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)), أقول هذا كمفتاح، لأن خسارة الوطن كـ”مصلحة كيانية مشتركة” لن تعوضها مقولة “تقاسم لبنان بالأزمات والطوائف”. ولأن مشروع الندوة سماحة الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين (رحمه الله)، فمما لا شك فيه أن الشيخ شمس الدين ليس عقلا مخضرما فحسب، بل صاحب أطروحة تجاوزت الحدود اللبنانية إلى قراءة المنطقة والعالم، وبهذا المعنى تعرض للبنان ككيان له مكوناته وحيثيته وشراكته وناسه وطموحه الضامن لمصالح ناسه على قاعدة (كيان وطني يسع الجميع وينتمي إليه الجميع)”.
واردف: “وأنتم تعلمون أن تركيبة المنطقة معقدة، لأنها نتاج حرب عالمية ما زالت قواها تحتل هيكل النظام العالمي، وضمن هذا المشهد تم تشكيل لبنان بسياق التشكيلات الكيانية لدول المنطقة بعد سقوط الأمبراطورية العثمانية، وبدا واضحا أن خصومة الفكر والحدود والنزعات والولاءات موجودة حتى ضمن الدول العربية وعقول أنظمتها (بل ومكوناتها الداخلية)، فضلا عن أزمة الدول الإسلامية وغيرها. مع هذا الواقع تحول لبنان “بلد أزمات”، ليس لأنه غير قابل للوجود والإستمرار، بل لأن “عناصر أزمة المنطقة” موجودة فيه، لدرجة أن أزمة الأقليات ببعدها الخارجي – زمن السلطنة العثمانية- أنتجت نظام “المتصرفية” الذي تم اعتماده عام 1860 وظل يعمل به حتى عام 1918 أي حتى سقوط السلطة العثمانية، بضغط من بريطانيا وفرنسا وبروسيا وروسيا والنمسا وإيطاليا، على قاعدة “حماية الطوائف” بنسخة الولاءات والمصالح بعيدا عن مقولة الكيان والوطن أو “المصالح المشتركة” لتلك المنطقة من لبنان. ومع نهاية المتصرفية وبداية عصر الإنتداب تم إعلان “لبنان الكبير” بخلفية فرنسية تعتمد الطائفية أساسا لهوية لبنان الدستورية والسياسية، ومعها أعادت شبك لبنان ببذور أزمات المنطقة والعالم”.
وتابع: “ومع ميثاق بشارة الخوري – رياض الصلح تم تخطي “لبنان الإنتداب” إلى “لبنان الطوائف” على قاعدة “الشراكة الوطنية الناقصة”، ولأن الفشل السياسي اللبناني ظل يشبك أزمة لبنان بأزمة المنطقة والعالم بكل متناقضاتها بلا فرق بين “الوطني والأممي” ودون اتفاق على معيار للقضايا العادلة والقضايا الظالمة، خصوصا القضية الفلسطينية (التي أظهرت الإنقسام الوطني بقوة رغم عدالة القضية بعيدا عن تعبيراتها الثورية السيئة أحيانا)، فقد انفجر لبنان (ببذور أزمة خارجية داخلية)، ومعه بدأت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، وهي بالحقيقة حرب المنطقة في لبنان، وليس حرب اللبنانيين بعيدا عن أنظمة المنطقة ومشاريعها”.
واضاف: “ظلت الأزمة تتفاقم حتى إقرار وثيقة الطائف عام 1989، أيضا بإرادة أميركية سعودية سورية تعبيرا عن (لبنان المنتج وليس المنتج)، ومعها عاد لبنان المؤسسة لكن “مؤسسة طوائف ومصالح يتغلفها النفوذ الطائفي والتوازن الإقليمي الدولي”، ليكشف مجددا حقيقة انتماء أزمات هذا البلد وحلوله للمنطقة والعالم. في هذا السياق طرح الشيخ شمس الدين “الميثاقية الكيانية” كإطار نهائي للهوية اللبنانية والعمل الوطني، وكأساس لإنتاج “هوية الحلول والمصالح لهذا الكيان” فضلا عن الشراكات الإقليمية والعلاقات الدولية، لا لأن ربط لبنان بالمنطقة يعني تحويله “ساحة صراعات وولاءات” فحسب، بل لأن مصلحة اللبنانيين والمنطقة تكمن باستقرار لبنان وتعايش أهله وشراكتهم المتبادلة ضمن “كيان نهائي” يضمن مصالحهم العادلة”.
وقال: “في هذا السياق كان الشيخ شمس الدين يعتقد بضرورة ولاء الطوائف للبنان كمصلحة كيانية نهائية تتسع للجميع وتضمن مصالحهم، بخلفية أن الولاء للوطن يعني الولاء لـ”مصالح أهله وآمالهم الوطنية وطموحاتهم العادلة”، ولا يعني هذا “ذوبان الخصوصية”، لكنه يمنع الخصوصية من مصادرة حقوق الآخر، لأن منطق العدالة يفترض “شراكة اللبنانيين بالمصالح الوطنية وليس احتكارها”، وهو ما دفعه يوما ما للتصالح مع المواطنة عبر ما سماه بـ”الديمقراطية العددية”، إلا أن عدم الثقة بين الطوائف، خاصة “مزاج الخوف” والسياسات التي تتلطى “الوثن الطائفي” أسست بطريقة تراكمية لـ”فيدرالية الطوائف” نفسيا وعززت فكرة “أقاليم الفزع” بين الطوائف، وهذا ما كان الشيخ شمس الدين يريد طمره، لأن المصالح الطائفية والمصالح الوطنية لا تلتقي، والمزيد من هواجس الخوف وتراكم عقدة الفيدراليات النفسية سيمنع من تنفيذ “مشروع المواطنة”، وسيدفع الطوائف لشبك علاقاتها بأطراف خارج مقولة “الكيان النهائي كأساس للمصالح الوطنية”، ويمكن اختصار أطروحته الكيانية بالقول “إن مصالح اللبنانيين تكمن بشراكة لبنانهم، وليس بالخلاف فيه أو عليه”.
وتابع المفتي قبلان: “على أن مقولة “الكيان” لا تعني ضدية الإنتماء الديني كما لا تعني ضدية الشراكات العربية أو الإسلامية بأشكالها المختلفة، كالسوق الواحدة والسماء الواحدة وغير ذلك، لأن الشيخ شمس الدين من أكبر دعاة هذا الطرح، لكنه يعرف لبنان جيدا ويدرك عقلية مكوناته، لذا طرح لبنان أساسا للمصلحة الوطنية، لأن الشعب الذي لا توحده مصالح كيانه لا يمكن أن توحده مصالح الآخرين. والآن بعد وفاة الشيخ شمس الدين يبدو واضحا أن مقولة الكيان الوطني والمصالح المشتركة ضرورة ركنية لوطن قابل للحياة ودولة مستقرة وفاعلة، لأن القضية “كيف نضمن مصالح لبنان وليس مصالح الآخرين”. على أن نصرة قضايا الآخرين العادلة ضرورة وطنية وأخلاقية، ولكن ليس بتمزيق لبنان وبيعه بالأسواق الإقليمية والعالمية”.
وقال: “كمثال على أطروحة المصالح الوطنية، كان الشيخ شمس الدين يقدم “المقاومة الوطنية” دليلا على كسر حاجز الطائفية، وهو ما امتازت به تجربة المقاومة بقوة، وخصوصا أنها ومع اندحار الإسرائيلي عام 2000 لم تترجم انتصارها كسبب لاحتكار السلطة، وهو ما تفعله اليوم في الزمن التكفيري الذي تديره أكبر القوى العالمية والإقليمية والتي تستهدف لبنان ككيان ووظيفة وطنية وقومية وأخلاقية، لأن ما يجري في سوريا يهدد لبنان ككيان، ومصلحة وطنية، وبلد شراكة، بعيدا من نظامه السياسي وهويته الطائفية. لذلك، من على منبر الشيخ شمس الدين نؤكد أن لبنان لا يعيش بمصل الطائفية ولا بأنفاسها، ولن يخرج من دائرة أسباب “المتصرفية” ولا كيان الإنتداب الطائفي إلا بـ”الشراكة الوطنية” التي يجب أن يعكسها نظامه السياسي وكيانه الجامع بعيدا عن سياسة الذمم والطوائف”.
ورأى ان “ما يجري في سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر والمنطقة دليل مطلق على أن فتيل الأزمات قادر على سحق أي كيان، إلا إذا تشكل هذا الكيان على “المصالح الوطنية القوية” بعيدا عن العرقيات والإثنيات والمنافع الطائفية والولاءات العابرة لـ”مصالح الكيان الوطني” كبلد تجمعه “إرادة اللبنانيين ومصالحهم” وليس ضرورة التاريخ وظروف المنطقة والعالم. لذلك، وضمن هذا التصور نصر على إنتاج “لبنان سياسي” جديد، على الأقل بقانون “انتخاب نسبي”، لأنه أكثر ضمانا للمصالح الوطنية وأبعد عن الإحتكار السياسي الطائفي، ومهما كان “شكل النسبية” لا يجوز أن يكون بهوية طائفية مثل “الطرح الأرثوذكسي”، لأن أي شكل من أشكال الطائفية هو سبب إضافي لكسر وطنية هذا البلد ومصالحه، خصوصا العقليات السياسية التي تتلطى وراء الطائفية لتتقاسم الوطن والدولة وموارد الناس”.
وختم المفتي قبلان بالقول: “راكم الشيخ شمس الدين ثروة الإمام الصدر التي شكلت “كنز الرؤى الوطنية لهذا الكيان” كأساس لمقولة الشيعة السياسية في لبنان، وهو ما حفظه المجلس الشيعي وأسس عليه، وضمن إطاره نضج المشروع الوطني، لأن بلدا تختلف مصالح طوائفه لن يبقى بلدا، ووطنا لا تجمعه المواطنة ستمزقه “رياح الطائفية” وتبدده ولاءات الخارج بذريعة حماية الطوائف وحقوق الأقليات”.
يذكر ان المستشار القانوني للمجلس المحامي ضياء زيبارة أدار الندوة، وقال في مستهلها: “هو محمد مهدي بن عبد الكريم بن عباس آل شمس الدين، ينتهي نسبه إلى الشهيد الأول محمد بن مكي العاملي، الملقب بشمس الدين. فقيه من فقهاء الشيعة، علم من أعلام المسلمين، رائد من رواد الحوار في لبنان، تناولت مؤلفاته مختلف جوانب المعرفة الإسلامية والإنسانية، من فقهية استدلالية واعتقادية وتاريخية واجتماعية حساسة تتناول موضوعاتها في نظر الباحثين قضايا العصر. جمع الإمام شمس الدين بين العقلية الفقهية المجددة، والعقلية السياسية المنبثقة عن الروح الإسلامية السمحة بأجل مظاهرها، والتي يمكن أن نشير إلى بعض تجلياتها:
1. دعوة شيعة لبنان والعرب إلى عدم التمايز عن مواطنيهم، وتأكيد انتمائهم إلى أوطانهم وولائهم لها.
2. جهوده المتميزة في التقريب بين السنة والشيعة.
3. دوره البارز في الحوار الإسلامي المسيحي.
4. مواقفه الداعيه الى وحدة لبنان”.
وتابع: “كان له الفضل الكبير في العمل على توكيد الخيار الإسلامي الشيعي اللبناني الذي صنعه الإمام السيد موسى الصدر، أي خيار الولاء والمشاركة والوحدة في “وطن نهائي لجميع أبنائه”، وهي عبارة صارت عنوانا أساسيا للوفاق الوطني. وانطلاقا من ذلك نطل على عنوان هذا المقال ” الميثاقية ونهائية الكيان اللبناني”، انحصر مفهوم الميثاق الوطني بداية، بالإتفاق غير المكتوب الذي عقد عام 1943 بين أول رئيسين للجمهورية والحكومة بعد الإستقلال، الرئيسان بشارة الخوري ورياض الصلح، ومن بين نقاط هذا الإتفاق: توزيع المناصب الرئاسية كما هو معمول به حاليا، توزيع الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين مع بعض الإستثناءات الهامة، الوجه العربي للبنان مع الحفاظ على علاقاته الروحية والثقافية بالحضارة الغربية. إلا أن الميثاقية لم تبق مقتصرة على هذا الإتفاق، فتطورت تبعا لجملة أمور، وتوسعت من حيث المفهوم والممارسة، لتشمل عدم شرعية أي عمل يناقض العيش المشترك، فأصبح الميثاق “ميثاق العيش المشترك ونهائية الكيان اللبناني”، وبدلا من أن يكون ميثاقا شفهيا بين أشخاص، أصبح عقدا جماعيا أدخل في مقدمة الدستور وأصبح جزءا لا يتجزأ منه”.
وقال: “وفي هذا المجال، فإنه لمن دواعي الإعتزاز، أن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى هو أول مؤسسة قائدة أعلنت مبدأ أصبح جزءا من دستورنا، وهو مقولة أن “لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه” فهي المقولة التي وردت في وثيقة الوفاق الوطني الصادرة عن المجلس ، والتي أعلنها الإمام السيد موسى الصدر عام 1977، واعتبرت إحدى ثوابت الرؤية الإسلامية للبنان، وأعلنت في بيان الثوابت الإسلامية في أيلول عام 1983، ثم تم الإجماع عليها في وثيقة الوفاق الوطني – إتفاق الطائف – وأدخلت في مقدمة الدستور. ولقد حافظ المسلمون الشيعة من خلال قياداتهم الروحية الرسمية على الميثاقية ونهائية الكيان اللبناني، حتى في أوج الفتنة الدامية والحرب الأهلية”.
وتابع: “وفي هذا المجال أختم بموقفين للتدليل على ما تقدم:
الأول: الموقف التاريخي الذي عبر عنه الإمام السيد موسى الصدر منذ بداية الحرب، ومضمونه أنه إذا كان نضال المسلمين الشيعة، لرفع الحرمان التاريخي عنهم، وإقامة الدولة العادلة المتوازنة، من شأنه أن يسعر الحرب الأهلية في تلك الظروف، فإن الشيعة يعلقون جميع مطالبهم الخاصة ويقدمون السلم الأهلي والوحدة الوطنية على سائر القضايا.
الثاني: كان الإمام شمس الدين قد أطلق نظرية “الديمقراطية العددية القائمة على مبدأ الشورى”، لكن بعد أن أثارت هذه الدعوة جدلا ومخاوف وتحفظات من الطوائف المسيحية الكريمة، أقدم سماحته على سحبها من التداول تطمينا لهم. ولما يزل المجلس في عهد سماحة الإمام الشيخ عبد الأمير قبلان، يضطلع بنفس الدور ويسير على النهج عينه”.




