رادار نيوز – ألقى العلامة السيد علي فضل الله خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك، في حضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين. ومما جاء في خطبته السياسية:
“عباد الله، أوصيكم وأوصي نفسي في أجواء ذكرى ولادة السيدة زينب، التي مرت علينا في الخامس من شهر جمادى الأولى، بأن نتمثلها في موقعها أمام يزيد، حين أدخلت عليه مكبلة بقيودها، متعبة من مشاق الطريق، ورأته منتشيا بالنصر الذي توهمه في كربلاء، وأرادت أن تريه الحقيقة التي خفيت عليه، بأن المستقبل لن يكون كما خطط، وهي في ذلك لم تخش بطشه وجبروته، بل وقفت بكل عنفوان الإيمان وصلابته لتقول: “يا يزيد، كد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا يرحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين”.
لم يكن موقف السيدة زينب طارئا أو انفعاليا، بل هو موقف انطلق من عمق إيمانها وتربيتها، وينبغي أن يطلقه كل الذين يحملون إيمانها وروحيتها في مواجهة الطغاة والجبابرة، الذين يظنون أنهم يملكون مقادير الأمور بجبروتهم وطغيانهم وإمكاناتهم.. وأن يتكرر قولها: “كيد كيدك، واسع سعيك، فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا”.
إن هذه الصورة ينبغي أن نرسمها دائما في أذهاننا عن السيدة زينب، حتى لا تبدو، كما يحلو للبعض أن يصورها، مهزومة مكسورة ذليلة. ستبقى السيدة زينب، كما هي، رمزا للمجاهدين، وقدوة للأحرار، وعنوانا يقتدى به في مواجهة كل التحديات التي تعصف بنا”.
اضاف: “البداية من لبنان، الذي يستمر السجال فيه بين القوى السياسية حول القانون الانتخابي الذي ينبغي السير فيه، وتتعدد الاجتهادات المتعلقة به بين أكثري ونسبي وأرثوذكسي ومختلط إلى ما هناك من تسميات، ونأمل أن ينتج هذا السجال قانونا عصريا يلبي رغبة اللبنانيين التواقين إلى قانون يضمن لهم صحة التمثيل والعدالة، ويساهم في تحريك الحياة السياسية، ويخرجها من جمودها، لكن المشهد يبدو مختلفا حين نرى أن كل فريق يسعى إلى أن يأخذ القانون لحسابه، ويجعله على قياسه، ليؤمن له الحضور الأكبر في المجلس النيابي على حساب الآخرين من طائفته، أو في مقابل الطوائف الأخرى أو المواقع السياسية الأخرى، وهذا بالطبع يعزز التناقض في المصالح والغايات بين الطوائف والقوى السياسية، ويعطل إمكانات التوافق حول مثل هذا القانون”.
وتابع: “ورغم الجو الذي يعيشه البلد، والذي يوحي بأن هناك طريقا مسدودا، وأن البلد يسير نحو الفراغ التشريعي، فإننا لا نزال على قناعاتنا بأن كل ما يطرحه الأفرقاء السياسيون يدخل في باب الأسقف العالية، ويعرف الجميع أنه لن يتحقق، وأن منطق التسويات هو الذي سيصل إليه الجميع، وسيفضي إلى حل يرضي كل القوى السياسية الفاعلة، على غرار التسويات التي أدت إلى انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل حكومة، رغم كل التعقيدات التي عاشها البلد من الداخل والخارج”.
واشار الى انه “أصبح واضحا لدى اللبنانيين أن التغيير الذي يريدونه ليكونوا في مصاف الدول المتحضرة والمتقدمة، لن يحصل ما دامت هذه العقلية ذاتها لدى المسؤولين والممسكين بشؤونه، ولو كانت على حساب الوطن ومستقبل أجياله، وما دام المحكومون لا يخرجون من منطق التبعية والانصياع الأعمى للمواقع السياسية، بحيث يرون ما رأوا، ويقبلون منهم ما يريدون، ولا يخضعونهم للنقد والمحاسبة عندما يأتي الحساب، وكأنهم معصومون”.
وقال: “في هذا الوقت، تستمر معاناة اللبنانيين على المستوى الاقتصادي والمعيشي والخدماتي، فلا تبدو هناك حلول في الأفق لأزمات الماء والكهرباء والنفايات والظروف المعيشية للمواطن. وكل ما يتبين هو المزيد من الضرائب التي يراد منها سد عجز الإنفاق، والذي يظهر، مع الأسف، أنه إنفاق الهدر، لا الإنفاق لأجل تطوير البلد والنهوض به، ما يعني أن على اللبنانيين الصبر والانتظار والبقاء على ما اعتادوا عليه من قلع أشواكهم بأيديهم، وإن وجدت حلول، فهي من قبيل المسكنات والمهدئات”.
وتابع: “وفي هذا المجال، لا بد من التوقف عند قانون الإيجارات، لنؤكد ضرورة أخذ الظروف الصعبة التي يعانيها المستأجرون بعين الاعتبار، بفعل الزيادات التي ستلاحقهم، ما يحتم على الدولة الإسراع بالوفاء بما وعدتهم في إنشاء صندوق لمساعدة المستأجرين، لمواجهة الأعباء الإضافية، ريثما تقوم الدولة بمعالجة جذرية لأزمة السكن المتفاقمة”.
وقال: “من لبنان إلى العالم، الذي يحبس في هذه الأيام أنفاسه بفعل القرارات التي يتخذها الرئيس الأميركي ترامب، ويخشى من تداعياتها على السلم العالمي، رغم التبريرات القائلة إنها تتعلق بأمن أميركا الداخلي وبمصالح شعبها. ومن ذلك، تهديد الجمهورية الإسلامية في إيران بشن عمل عسكري عليها، بسبب التجارب الصاروخية التي أجرتها، على الرغم من أنها أكدت أن الهدف منها هو تعزيز المنظومة الدفاعية، ومن حقها تأمين كل السبل للدفاع عن نفسها في مواجهة أعدائها الذين يهددونها، ولا سيما العدو الصهيوني، وأشارت إلى أنها لا تمس بالاتفاق النووي، كما أكدت دول عدة مشاركة في صناعة هذا الاتفاق، الذي تشدد إيران على احترامه، وتدعو أميركا والعالم إلى ذلك، نظرا إلى أثره الإيجابي في استقرار العالم”.
اضاف: “وتأتي في هذا الاتجاه الإجراءات القاضية بمنع رعايا سبع دول عربية وإسلامية من الدخول إلى الولايات المتحدة الأميركية، بحجة منع دخول إرهابيين إليها. نعم، قد يكون من حق أي دولة أن تمنع من يسيء إلى أمنها، ونحن لا نمانع ذلك، لكن الإشكالية في ذلك، أن هذا القرار يمثل عقابا جماعيا لمواطني هذه الدول، ويوحي بأنهم جميعا إرهابيون، من دون أخذ تنوعاتهم الثقافية والفكرية ومواقفهم بعين الاعتبار، وفي ذلك إدانة واضحة للمسلمين عندما يستثنى من هذه الدول المنتمون إلى ديانات أخرى غير الإسلام، ما يجعل المسلمين في خانة الإرهاب، ويشوه صورتهم وصورة الإسلام، ويؤدي إلى تنامي مشاعر الحقد والكراهية تجاههم، كما أنه يفتقد إلى العدالة حين يقتصر على هذه الدول، وكأن لا إرهاب خارجها، أو كأن أميركا نفسها بعيدة عن هذا الإرهاب وعن صناعته!”.
وتابع: “اننا في الوقت الذي ندين هذا القرار، ونحذر من تداعياته ونتائجه، لكونه يساهم في تشجيع الإرهاب لا في ردعه، نقدر كل المواقف الصادرة عن الدول الغربية وغير الغربية في إدانة هذا القرار، وفي اعتباره عنصريا ومخالفا لحقوق الإنسان، وفي تأكيدها أن الإرهاب، إن وجد، لا يعالج بهذه الطريقة، بل بمعالجة مسبباته، كما نحيي المواقف الشعبية وغير الشعبية التي انطلقت في أميركا، ودعت إلى إعادة النظر بهذا القرار، وأكدت مبدأ التعايش بين كل الأعراق والأجناس والتنوعات داخل هذا البلد وخارجه”.




