رادار نيوز – احتفلت رعية مار اسطفان البترون بعيد الميلاد المجيد بقدأس ترأسه كاهنا الرعية الخوري بيار صعب والخوري فرانسوا حرب في كاترائية مار اسطفان في حضور وزير الخارجية والمغتربين في حكومة تصريف الاعمال جبران باسيل وعقيلته، مديرة الوكالة الوطنية للاعلام لور سليمان وحشد من المؤمنين.
بعد الانجيل المقدس، ألقى الخوري صعب عظة بعنوان “ميلاد الحب عبور الى القيامة”، وقال فيها:”يحلُّ من جديد عيد الميلاد، عيد الطفولة، عيد التواضع، عيد المحبة والسلام حيث تجتمع العائلة كي تصلّي للإله المولود في الجسد.
يحلّ العيد وفي القلوب شوق وانتظار لخلاص بشريّ موعود يلاقي فيه الإنسان خالَقه، فتنقلب الادوار بحيث أنّ من هو الاله وضع نفسه تحت رحمة الانسان وصار بحاجة الى حشىً يحضنه، ومكانٍ يولد فيه، وأمٍّ ترضِعُه، وأب يربّيه. بحاجة الى مكان يسند إليه رأسه؛ ولكنه لا يجد مكاناً بين بني البشر حيث الجميع مشغول عن الله، لاهٍ بأمور الدنيا، يفتش فيها عن ضمانات مادّية تؤمّن له الحياة الكريمة والمستقبل المضمون.
منذ أكثر من ألفي سنة صارت العجيبة الوحيدة في تاريخ البشرية: ابن الله صار إنساناً، زار مدينة بيت لحم حيث تمّم النبوءات: “ها إن العذراء تحمِلُ، وتلد ابناً، ويُدعى اسمه عمانوئيل” لكن المفارقة إنّه لم يجد بيتاً يأويه، ولا فراشاً يدفئه ولا شخصاً يستقبله.
حَسْبُهُ مغارة حيوانات باردة حطَّ فيها رِحالَهُ فاحتاج الى أنفاس الغنم والبقر كما الى قماطات مريم؛ فتمَّت نبوءة أشعيا: “الثور يعرف مقتنيه والحمار معلف صاحبه، أما بنو اسرائيل فلا يعرفون، شعبي لا يفهم شيئاً”( اش 3 :1). كذلك احتاج الى معلف كي ينام حيث مكان الأكل لأنّه هو من سيصبح المأكل الحقيقي والمشرب الحقيقي.
على رغم هذا التواضع لم يهنأ الطفل العجيب بهذه المغارة، ولم يكد يطلع الفجر حتى سارع يوسف، بعد إشارة الملاك ” قم خذ الصبي وأمّه واهرب الى مصر، لأنّ هيرودوس يطلب نفس الصبي ليهلكه” (متى2: 13). سارع فحمل الطفل وأمّه وهرب بهم ليلاً الى مصر.
فيا لقساوة قلوب البشر، حتى المغارة كانت ممنوعة على ابن الله، وما عاد له مكان آمن سوى العودة الى مصر. وما أدراكم ما معنى هذه العودة بالنسبة لليهود؟ فها هم، بعد أن كان هو الاله قد خلَّصهم من عبودية فرعون ينفونه الى هناك.
من يستطيع أن يعبر صحراء سيناء مع أمّ وولد رضيع في أول يوم من عمره؟
وما أشبه عبور الصحراء في هذا اليوم، بارتفاع صليب يسوع بين لصين بعد أكثر من ثلاثين سنة.
والسؤال الذي يطرح ذاته اليوم بعد أكثر من ألفي سنة على الميلاد: هل ضيَّع يسوع حياته سُدًّى مع البشر بين صحراء لا خلاص منها، وصليب لا مفر من اعتلائه في سبيل خلاص البشرية؟
نعم، لقد نُفي ابن الله في يوم ولادته الى صحراء قاحلة لم يستطع بنو اسرائيل يوم دخلوها هربا من جَوْر فرعون، أن يصلوا الى أرض الميعاد إلاّ بعد أربعين سنة، ومن خلال أبنائهم من بعدهم.
أكمل يوسف المهمة، وحمل الطفل يسوع لا ليموت في الصحراء او ليعود الى مصر حيث تحمّل شعب الله فيها ما لا يُحتمل من العبودية والاذلال، بل ليحوِّل صحراء حياتنا الى جنّات سلام ومحبة وعطاء، فها هو يأتي الى واقع حياتنا لأنّه يحبُّنا، ويريد أن يرفعنا الى واقع ملكوته، يتجسّد على الارض كي تتقدّس كل الارض، يأتي الى وسط تاريخنا وعالمنا وبشريتنا كي يمنحنا الحياة ويمنحنا اياها وافرة.
إن ارادة الله التي ظهرت في الميلاد هي أن يتمّم حبّه لنا ويفتدينا ويمجّدنا، فهو العمانوئيل أي الله معنا قد جاء ليكون معنا، ويبقى الجواب منّا، هل نحن مستعدون أن نكون معه؟ أن نشاركه تواضعه فيشاركنا قداسته؟ نشاركه فقره ويشاركنا غنى مواهبه التي لا تنضب؟ نشاركه حبه فيشاركنا قوّة الرجاء الذي لا يخيب؟
سامحني أيها الطفل العجيب لأنّي مرات ومرات رفضت دخولك مغارة قلبي كي تجدِّدها، رفضت أن أحوِّل صحراء حياتي الى جنّة سلام تحلّ أنت فيها فتنميها.
سامحني لأنّي لم أرك جائعاً فأطعمتك أو عطشان فسقيتك أو مريضاً فزرتُكَ، أو عرياناً فكسوتُكَ أو غريباً فأويتكَ.
سامحني لأنّي كثيراً ما أشارك أهل بيت لحم في رفضكَ، ولكنّك تولد اليوم من جديد طفلاً كسائر الاطفال كي تُعيد اليَّ كثيراً من كرامة فقدتُها، وكمّاً هائلاً من خطيئة تغفرها لي.
ألا أقبل منّا يا طفل المغارة ضعفنا، وألمنا، وعذابنا، واجعله من خلال ولادتك قوّة وسلاماً وفرحاً، اغمر قلوبنا بالفرح الحقيقي الذي لا يستطيع أحد انتزاعه منّا فننشر قدس تجلّيك على الارض قائلين ولد المسيح. هللويا.
وبعد القداس، تقبل الكاهنان صعب وحرب التهاني بالعيد.




