“القلم الصريح”

187 views
57 mins read

(القلم الصَّريح)…

أقوى صحف المناطق وأكثرها إثارة.

الفرد ابو سمرا مع معروف سعد في السجن.

عرفت بلدة مرجعيون، على امتداد تاريخها الحديث، نهضة ثقافية وعلمية متميزة، بانت على أكثر من صعيد، من ناحية نشوء المدارس، إلى رجالاتها المميزين في عالم الطب والأدب والتجارة الذين انتشروا في أنحاء العالم، إلى عالم الصحافة حيث أعطت مرجعيون جنوب لبنان، أربع صحف هي: المرج (1909)، النهضة المرجعيونية(1927)، القلم الصريح 1930) ، وصدى الجنوب 1936.

كانت «القلم الصريح» من أقوى صحف المناطق وأكثرها إثارة. صاحبها ألفرد أبو سمرا، الذي وُلد في مرجعيون عام 1910، وتلقى دروسة في الكلية الوطنية الأرثوذكسية ثم في مدرسة الفنون الإنجيلية – صيدا.

مال أبو سمرا إلى الصحافة منذ صغره، وراسل العديد من الصحف المحلية وكتب فيها. ودرّس في مدرسة “المرج العالية”، والكلية الأرثوذكسية، وعمل محرراً فترة من الزمن في جريدة بلدته الأولى “المرج”.

توجه إلى بيروت وقدم طلباً لإصدار جريدة، على الرغم من معارضة الأهل. توجه إلى وزير الداخلية آنذاك موسى نمور الذي بادره بالقول: “وهل تظن أن البلاد تتحمل جرائد أخرى؟ فأجاب: “أن البلاد تتحمل المئات من الجرائد الأمينة الوطنية المخلصة”. وعندما فاجأه بالسؤال عن اسم الجريدة أجابه على الفور، “القلم الصريح”، فدفع ثمن طابع أميري مقداره 25 قرشاً، ومضى يفتش عن قيمة الضمان القانوني الذي هو 500 ليرة لبنانية.

أما بالنسبة إلى طباعة الجريدة فجمع مبلغاً من المال مقداره 25 ليرة بدل اشتراك مسبق من أصدقائه. وهكذا ظهرت الجريدة الأولى إلى الوجود، بتاريخ 13 آب 1931، وكانت أسبوعية من أربع صفحات، وشعارها: “يحتاج الحق إلى رجلين، الواحد لينطق به والآخر ليفهمه” .
طبعت الجريدة في بدايتها على مطابع جريدة “المرج” في مرجعيون ثم في مطابع “العرفان” في صيدا وأخيراً في بيروت.

خط الجريدة

جاء في افتتاحية العدد الأول: “عهدنا للقراء أن لا يكون القلم بين أيدينا إلاّ سلاحاً للخير عاملاً للبناء، نذيراً بالإصلاح، بشير الحق خادماً له أسيراً، عدواً للظلم لا يهاب في حربه ملكاً أو أميراً، رافعاً اسم الوطنيين. ناشراً لهم ألوية الحمد وبيارق الثناء، فاضحاً أعمال الخائنين للمصالح الوطنية”.

أُصدرها من حاجة الشعب وبؤسه لتخدم بتواضع هذه الزاوية من الجمهورية اللبنانية، ولتخدم أبناء قومها في الوطن والمهجر. ويضيف أبو سمرا في الافتتاحية: “… لمسنا فراغاً في صحافة هذا البلد فأردنا سده بخلق ميدان لأقلام الشباب المتجدد في الوطن والمهجر يوطد العلاقة بين المغتربين منهم وبين المتخلفين، ويزيد بينهما روابط الألفة والغيرة الوطنية، ومعالجة القضايا الاجتماعية والشؤون الاقتصادية والأخلاق”.

أما مقالة الشيخ الأديب سليمان ظاهر: هذا هو القلم الصريح! أنزلناه إلى الميدان لكي نشترك أيضاً بخدمة هذا الوطن. حسب طاقتنا وإمكاناتنا، ولا نقول مقدار عاطفتنا ورغبتنا وأمالينا.
أما الاشتراك فـ بمناسبة الضائقة المالية العالمية فقد جعلناه زهيداً ليتمكن الجميع من الاشتراك بها. أما للنواب الذين منَّ الله عليهم بالمنّ والسلوى فليرة عثمانية فقط.

القومي العربي المشاكس

ألفرد أبو سمرا هذا الصحافي المشاكس، الساعي وراء الحقيقة، المناصر للعدالة والحرية، الذي لا يعرف المحاباة أو التزلف، والناقد اللاذع لكل اعوجاج، كانت جريدته اسماً على مسمّى، مما سبب لصاحبها “وجع الراس” من عِلية القوم ومن رجال الانتداب الفرنسي. مما أدى إلى توقف الجريدة عدة مرات، وأوقف صاحبها وسجن تسع مرات بين تاريخ صدور الجريدة وحتى اندلاع الحرب العالمية الثانية.

كان أبو سمرا من مناصري القومية العربية المتحمسين للوحدة السورية، وقد أراد أن تكون جريدته وطنية تتصدى للاستعمار وتعالج مشاكل الناس، ونظراً لقربه من المثقفين الوطنيين، اكتسب صداقات الأدباء العامليين أمثال أحمد عارف الزين (صاحب العرفان)، أحمد رضا، سليمان ظاهر، موسى الزين شرارة، عبد الحسين عبد الله وغيرهم من الأقلام المعتبرة.
التزمت الجريدة الصراحة التامة، وفتحت صفحاتها ميداناً للشباب الناشئ بنشرها مقالاتهم وقصائدهم بحرية لم تكن بعض الدوريات تنشرها لهم، فغدت القلم الصريح صدراً رحباً ورسولاً يشد أواصر الصلة بين أهل الوطن والاغتراب.

هدف صاحبها إلى إشباع النزعة القومية لدى المثقفين من خلال نشره نتاجهم، فكان نصيبه الاعتقال عام 1931 وتوقيف جريدته، ولم يزدد إلاّ عزيمة وقوة. حين كان الجنوب تحت الانتداب. وقد زار رئيس مجلس النواب محمد الجسر مع عدد من النواب منطقة الجنوب، فغضب أبو سمرا وكتب مقالاً لاذعاً ومستنكراً الزيارة لأنها أتت تلبية لدعوة على الغداء على نهر الحاصباني وليس لتفقد الرعية، وتمنى لو أنها ما كانت.

مع معروف سعد في السجن.

بعد ذلك توقفت الجريدة عن الصدور فترة من الزمن وسجن صاحبها. وقد تعرف أبو سمرا في إحدى زياراته الدائمة إلى سجن المية ومية (قرب صيدا) عام 1943 إلى معروف سعد وأصبحا صديقين بعد فترة اعتقال دامت ستة أشهر. 

وكان أبو سمرا كلما دخل السجن بسبب آرائه الحرة، كان يخرج بإصرار على محاربة الفساد والمفسدين، متمسكاً بآرائه وصراحته. حتى أنه بات يشكل عقدة لرجال الأمن الفرنسيين في جنوب لبنان، وقد دخل إلى السجن في إحدى المرات من دون أي سبب، ونترك لسلام الراسي الكلام عن هذه الحادثة كما وردت في إحدى كتبه تحت عنوان: “ني أبو جمرا، ني أبو سمرا”.

في إحدى المناسبات الوطنية دعا عادل عسيران إلى مظاهرة في صيدا ضد الانتداب الفرنسي … فأمر باتشكوف (حاكم الجنوب من قبل الانتداب الفرنسي) باعتقال عادل عسيران وسليم أبو جمرا دون سواهما من المشتركين في المظاهرة، ثم ما لبث باتشكوف أن أمر بالإفراج عن عادل عسيران، واستبقى سليم أبو جمرا في السجن. وجاء المطران ثيودوسيوس أبو رجيلي مطران الروم الأرثوذكوس في الجنوب يطالب باتشكوف بالإفراج عن أبو جمرا، ما دام أفرج عن عادل عسيران قائد المظاهرة. فعاجله باتشكوف بنزق شديد قال: “ني أبو جمرا، ني أبو سمرا”، أي لا إفراج عن سليم أبو جمرا ولا عن ألفرد أبو سمرا. قال المطران: “ولكني جئت الآن أطالب بالإفراج عن أبو جمرا لا عن ألفرد أبو سمرا الذي لم يشترك في المظاهرة وهو ليس في السجن. الآن فصاح باتشكوف: “وكيف يجوز أن يبقى أبو سمرا خارج السجن حتى الآن”. وهنا يقول سلام الراسي: “أمر باتشكوف باعتقال ألفرد أبو سمرا… فتأيدت العدالة”.

صدرت “القلم الصريح” بتاريخ 13 آب 1931 أسبوعية من أربع صفحات بقياس 30 × 47 سم، ثم تحولت إلى مجلة مع العدد 19-20 بتاريخ 10 أيار 1932، واتحدت مع جريدة “المرج” بتاريخ 25 نيسان 1934 وصدرت تحت اسم “النسر المرجعيوني” لصاحبيها د. أديب رحال وألفرد أبو سمرا. وأسباب هذا الاتحاد وردت في افتتاحية العدد الأول بقلم ألفرد أبو سمرا، كما يلي: اتحاد جرائدنا حفظاً لقوة معنوية كادت تتفسخ وقضاء على فوضى كادت تعم” حتى تكون الفائدة أعم وخدمة الوطن أقوى… ولما توحدت الغاية الوطنية، ولما توحد المبدأ، مبدأ الإخلاص للأمة العربية، والسعي لرفع الضيم ورفع الحيف عنها بقدر المستطاع، ولما أراد القراء الكرام، انضمت الصحيفتان روحاً وهدفاً فكانتا واحدة هي “النسر المرجعيوني”.

وأتت المجلة انتقادية جريئة القول، همها المصلحة العامة لا تعرف المحاباة. ومن عناوين مقالاتها تعرف سياستها:

 – “فشل السياسة الإفرنسية – سياسة الأمة قبل سياسة الأفراد” بقلم الزميل صلاح الدين المختار.

– إلى “الشباب الناهض” بقلم المحامي الجريء يوسف سمارة.

– “مت عزيزاً عربياً، لا أهلاً ولا سهلاً بكم أيها الصهيونيون” بقلم الشاعر فؤاد جرداق…

– نداء إلى المهاجرين…

– لا خير في أمة شبابها أحياء أموات…

– الفقر يهدد البلاد والجباة يحملون العصا والكرباج.

صورة في الجريدة.

وبسبب جرأة مطبوعة “القلم الصريح” الزائدة في ذلك الوقت عمدت الحكومة اللبنانية حينها إلى إصدار مرسوم يحمل الرقم 1006 تاريخ 22 ت1 1934 بإيقافها عن العمل لمدة 15 يوماً. وكان التعليل بأنها نشرت بتاريخ 10 أيلول 1934 مقالاً من شأنه “أن ينال من كرامة السلطات العامة”. توقفت المجلة مع العدد رقم 20 بتاريخ 25 ك1 1934. لتعود وتصدر مجلة “القلم الصريح” مع العدد 131-132 في 6 أيار 1935 لغاية العدد 141-142 في 1 كانون أول 1935 لتتوقف بعدها سنة ونصفاً ، ثم لتعود في الثالث من أيلول عام 1937 .
وعادت القلم الصريح على شكل جريدة بتاريخ 15 شباط 1940، تحمل في صفحاتها العديد من الصور لأول مرة. وقد توقفت الجريدة بين شهرَيْ حزيران وآب 1941 بسبب تحول منطقة مرجعيون – الخيام إلى ساحة حرب بين القوات البريطانية والقوات الفرنسية التابعة لحكومة فيشي.  

صانعوا النهضة

ومن الملاحظ أن الجريدة كانت تحمل منذ بدايتها أرقاماً مزدوجة، إذ كانت تصدر كل عددين معاً، واستمرت حتى مطلع الستينات من القرن العشرين حين انتقلت لتصدر وتطبع من بيروت، بعد أن كانت تطبع على مطابع مجلة العرفان في صيدا. ومن كتاب الجريدة أسماء صانعي النهضة الأدبية في تلك الحقبة: الشيخ أحمد عارف الزين، الشيخ أحمد رضا، عارف النكدي، عبد الله النجار، الشيخ سليمان ظاهر، سعيد فريحة، الشاعر فؤاد جرداق، فارس بك الخوري، فخري البارودي، حليم دموس، الأخطل الصغير، بولس سلامة، فيليب حتي، فارس الدبغي، لبيب غلمية، وديع ديب، موسى الزين شرارة، عبد المسيح محفوظ، عبد الحسين عبد الله، الشاعر القروي، أمين الريحاني وغيرهم كثر.

جريدة الرجل الواحد.

توقفت الجريدة أواسط العام 1976 مع اشتداد الحرب الأهلية اللبنانية وانقطاع سُبل التواصل بين المناطق، فسجلت في عمرها المديد هذا أطول فترة استمرارية لجريدة محلية في تاريخ لبنان. فكانت “القلم الصريح” جريدة الرجل الواحد على مدى 46 عاماً، فأبو طارق محررها من الدفة إلى الدفة، ومصحح بروفاتها، وأمين صندوقها، ومراسل مناصريه ومشتركيه وكاتب افتتاحياتها. وحتى عند توقفها نهائياً، لم يتوقف الفرد أبو سمرا عن الكتابة، بل استمر مدافعاً عن حقوق الناس وجنوب لبنان وذلك عبر مجلة “الجمهور الجديد” التي فتحت له صفحاتها، وأيضاً كان له مقال أسبوعي في جريدة “صدى لبنان”.

شارك في جولات عدة إلى البرازيل وأميركا لحث المغتربين على التواصل مع بلدهم الأم. مُنح العديد من الأوسمة المحلية والأجنبية اعترافاً بجهوده.

توفي العام 1982 وأقيم له احتفال تكريمي في نقابة الصحافة بتاريخ الأول من أيلول عام 1995 برعاية رئيس الجمهورية. وبهذه المناسبة أصدر ابنه مجلداً فخماً يحتوي على افتتاحيات والده في “القلم الصريح” خلال فترة صدورها، في محاولة لحفظ جزء من التاريخ العاملي الحديث من الضياع.

Previous Story

فصل من عمله بتهمة الإساءة للعلاقات المصرية الإسرائيلية.

Next Story

اذاعة صوت المحبة تقدم المسرحية الغنائية الإستعراضية للأب فادي تابت

Latest from Blog