هؤلاء أضاعوا فلسطين (لائحة العار: علي حسن سلامة) – محمد الوليدي

5220 views
227 mins read

رادار نيوز – ولد علي حسن سلامة في القولة – فلسطين عام 1942 في بيت أحد اعظم القادة الذين عرفتهم فلسطين في الثلاثينات والاربعينات وحتى استشهاده عام 1948 في معركة شرسة مع العصابات الصهيونية في معركة رأس العين وهو الشيخ حسن سلامة والذي كان الرجل الثاني بعد عبد القادر الحسيني في منظمة الجهاد المقدس وكان ثاني اثنين أيضا مع عبد القادر الحسيني مطلوب رأسهما من العرب واليهود معا، الأول تمكنت منه العرب والثاني تمكنت منه اليهود، وكان أحد تلاميذ القائد الشهيد عز الدين القسام ومن كبار المتبرعين لحملاته الجهادية .. لم يعرف عنه أنه بخل بشيء في سبيل فلسطين حتى قدم أخيرا روحه في سبيلها رحمه الله تعالى.

في بيت هذا الشيخ المجاهد ولد أبنه العاق علي.. لا علاقة للبيت بهذا اطلاقا مع أن البيت كان مدرسة جهادية يعرفها جل مجاهدي فلسطين، ولكن هذا ليس شرطا، فكم من مدارس متواضعة تخرج منها عظماء وكم من مدارس عظيمة تخرج منها أفشل الفاشلين .. لكنها الأقدار لا غير; نفسها التي جعلت من ابن نوح عليه السلام أن يكون مع المغرقين وزوجة لوط عليه السلام أن تكون مع الذين حلت عليهم اللعنة .. والنار لا تترك الا رمادا.

بعد حرب 1948 أنتقلت عائلة علي حسن سلامة الى الضفة الغربية ومن ثم الى مصر والى سوريا ومن ثم استقرت في لبنان.

في مصر كان من الطبيعي أن تكون عائلة علي حسن سلامة على مقربة من اسرة الحاج أمين الحسيني بسبب التقارب الوطيد الذي كان بين العائلتين في فلسطين وبالذات بين أسرة الشهيد عبد القادر الحسيني وأسرة الشيخ علي سلامة في فلسطين ولكن شتان ما بين الحاج أمين الحسيني وعبد القادر الحسيني رحمه الله.

كان الحاج أمين الحسيني مسؤولا عن الهيئة العربية العليا والتي كانت تتدعي تمثيل الشعب الفلسطيني أو هكذا رسم لها، لكنها لم تنجح ولم يثق بها الشعب الفلسطيني خاصة وان الأنظمة العربية هي التي تسيطر عليها رغم وجود أمين الحسيني كواجهة، فهي نفس الانظمة التي أضاعت هذا الشعب.

أما مسؤولها الحاج أمين الحسيني فكان كل ما يؤمر به من قبل امريكا يطاع حالا ودون تردد، فبعد ان خسر رهانه على الالمان عاد للأنجليز كسيرا، كان الأنجليز وقتها قد باعوا كل شيء للامريكيين ومن ضمن البيعة سلموا أمين الحسيني لهم، وكانت فرصة الامريكيين فيه لا تقدر بثمن، فقد تركوا لمخابراتهم حرية التصرف معه والتي وضعت حبل المشنقة امامه على الطاولة في بداية الخمسينات، وكانت تهمته جاهزة وهي الإشتراك مع النازيين في إبادة اليهود بل وضعوا له تهم جديدة وهي النية لقتل ربع مليون يهودي في فلسطين والتعاون أيضا مع أدولف إيخمان.. انكر التهم الموجهة اليه وحتى معرفته بادولف إيخمان ولكن كل هذا لم ينفع .. التعاون أو حبل المشنقة؟ فكان التعاون!.

كان آنذاك يتردد على بيت امين الحسيني شاب غريب يدعى ياسر عرفات وبكل سهولة أستقبل في البيت بل وأقام في بعض الفترات فيه ومن ثم ألحقت بإسمه عائلة الحسيني نفسها وساير الحسيني في هذا الامر! معظم عائلة الحسيني آنذاك استهجنوا ذلك وفي تلك الفترة تعرف ياسر عرفات على الصبي علي حسن سلامة وكأن كل شيء كان مرسوما.

في ذلك الوقت كان علي حسن سلامة شابا يافعا وكان ميالا لحياة المجون والأسراف وكان بالثراء الذي يمنحه أن يفعل ما يريد، وحتما ذهب بعيدا في البذخ والمجون والسكر والعربدة .. سهرات حمراء وفتيات حسناوات وكان لا يركب سوى سيارات السباق الفاخرة .. والأعجب من هذا كان يكره فلسطين حتى أن العديد من زملائه المصريين كان لا يعرفون أنه فلسطيني حيث كان يقول لهم بأنه سوري.

 ولم تكن سوى والدته الصابرة التي تحاول ترويض هذا الولد الذي خرج عن طاعتها والتي كانت تحلم أن يكون مثل ابيه مع أنها ربته على ذلك، وكان من يزورهم آنذاك يتذكر دموع والدته التي كانت تذرفها على حظها العاثر مع هذا الولد الضائع, في عام 1963 أعتقدت والدته أن الزواج سيروضه فزوجته ولكن ظل الولد على حاله.

حين فشل الامريكيون في وضع الشعب الفلسطيني تحت لواء الانظمة العربية من أجل تخديره، فكروا بخطة جهنمية مع الكيان الصهيوني وهي جمع الشعب الفلسطيني وبالذات الذين يتوقع منهم الإضرار بإستقرار الكيان الصهيوني تحت منظمة واحدة تكون بقيادة “فلسطينية” ليطمئن لها الشعب الفلسطيني بعد أن خانهم وخذلهم الحكام العرب، ومن ثم تحدث عملية السيطرة والترويض وحتى حد التصفية! بالذات مع الذين لا أمل بترويضهم، وحتما هذا لا يمنع من إعطائهم انتصارات وهمية وحتى حقيقية وأهداف ناعمة لتشجيع المزيد من الإنضواء تحت هذه المنظمة، وكانت هذه المنظمة هي حركة التحرير الفلسطيني”فتح”.

لم يكن انشاء فتح في الكويت عام 1965 كما يعتقد كثيرون بل انشئت في مصر عام 1958 وبتنسيق مع الحاج أمين الحسيني وتحت أنظاره اما الإعداد فترك لجهاز المخابرات الأمريكية والتي دربت اول نواة لهذه الحركة، وكان من مبلغ اهتمامها بها أنها أوكلت مهام تدريبها لأحد أخطر عسكرييها وهو الالماني أوتو سركوزني والذي كان من كبار عسكريي هتلر حتى أستطاعت المخابرات الامريكية تجنيده لصالحها في نهاية الحرب العالمية الثانية في عملية “أوديسا” الشهيرة وكان من رموز النواة والمراحل التي تلت هو ياسر عرفات.. هل تريد المخابارات الأمريكية تحرير فلسطين؟ رأينا ذلك في أوسلو.

أثناء حرب الأمريكيين على الإرهاب بعد أحداث سبتمبر تم التحقيق مع شاب أمريكي من أصل ألماني له نشاط مناوئ للحكومة الأمريكية، تحدث هذا الشاب عن المرارة التي عاشها جده ووالده على يد المخابرات الامريكية، كان جده زميل أوتو سركوزني في خلية “أوديسا” التي جندتها المخابرات الأمريكية من مخابرات هتلر بعد هزيمته، قال الشاب للمحققين: “لقد قام جدي بتفيذ كل العمليات القذرة التي طلبتها منه المخابرات الأمريكية وبشكل ناجح ودقيق.. ودرب علي حسن سلامة وذهب الى الأرجنتين من أجل جمع شمل الفلسطينيين هناك وفي امريكا اللاتينية من اجل استقطابهم في دعم الثورة الفلسطينية الوليدة – وهل تعلمون بماذا كافئته المخابرات الأمريكية بعد هذه الخدمات؟ لقد قتلوه أولاد الحرام وحاولوا قتل والدي لكن جدي أبعده بعد أن أحس بالغدر من طرفهم”!.

فقط قبل سنة في نهاية عام 2012 نشر الألماني “ويلي فوس” أحد عملاء المخابرات الأمريكية كتابا عنوانه “العمل السري” كشف فيه عن عمله السابق في حركة فتح وبالذات في جهاز الرصد وقوات 17  وعن الخدمات التي قدمها للمخابرات الأمريكية وكان يحمل الأسم السري “GANYMEDE”.

 في عام 1959 سافر عرفات الى الكويت دون أي إعاقة! – وتبعته مجموعة من الفلسطينيين كان من بينهم علي حسن سلامة وقادة آخرون، كانت الكويت آنذاك تحت السيطرة البريطانية، والذين أعلنوا انطلاق حركة فتح عام 1965.

ليس شرطا أن تعرف المجموعة كلها ماذا كان يحاك بليل من القوى العالمية للشعب الفلسطيني، فمنهم من لم أجد في تاريخهم من خلال الوثائق التي كشف عنها أي شيء يمس وطنيتهم كأبو علي أياد وصلاح خلف وخليل الوزير والذين عملوا في دوامة من الخيانات حتى أنتهى حالهم في ظروف مريبة، وما وجودهما في هذه الحركة إلا لأن اللعبة تقتضي وجود قادة حقيقيين لإستقطاب المزيد من أبناء الشعب الفلسطيني.

كان من السهل جدا استيعاب علي حسن سلامة بين هؤلاء القادة بل كان صلاح خلف وخليل الوزير من أشد الناس عطفا عليه احتراما لنضال والده الشهيد حسن سلامة ولكن ذلك لم يدم طويلا فلم يلبث أن عومل معاملة البعير الأجرب حتى بلغت حد القطيعة بل وحتى التفكير بالتخلص منه فيما بعد، الا أن العلاقة ما بين عرفات وعلي حسن سلامة ظلت على الدوام علاقة وثيقة وأشبه ما تكون أبوية حيث كان يوصف بالابن المدلل لعرفات- مع أنه لا توجد علاقات وثيقة طويلة بين عرفات وأي قائد آخر في فتح.

لم يكن هدف الحركة فقط وضع قادة حقيقيين في الواجهة بل أيضا استطاعت أن تجمع العديد من أبناء قادة كان لهم احترامهم بين الشعب الفلسطيني وأفراد من أسر فلسطينية معروفة.

 تجمعات ومراكز تدريب لحركة فتح في الكويت والأردن وسوريا والعراق ولبنان وتحت أنظار حكام هذه الدول ولا توجد دولة من بينها تسمح بضرب صهيوني بحجر عبر حدودها، ناهيك أن جميع هذه الدول تحت السيطرة الأمريكية الشاملة، ما عدا الكويت التي كانت تحت سيطرة البريطانيين ومن ثم تحولت للسيطرة الأمريكية.

الكرامة وما أدراك ما الكرامة ; 15 ألف جندي اسرائيلي عبروا حدود الأردن في 21- 3- 1968 وضربوا مركز تدريب الكرامة الفلسطيني التابع لفتح، قتلوا 150 فلسطينيا واعتقلوا 130، فتية كانوا قد جهزوا بأحزمة ناسفة والذين تم تفجيرهم في عدد من الدبابات الإسرائيلية والذي قتل نتيجتها 28 اسرائيليا والأبطال مختبئون في كهوفهم، اللهم سوى قوة تابعة ل”أبو علي أياد”  قاتلت ببسالة ومن ثم أتحدت معها كتيبة اردنية بأمر من قائد الجيش الاردني مشهور حديثة، وعاد الصهاينة لقواعدهم.

ومع كل هذا، سجل ما حدث كإنتصار وأحتفل به واي احتفال وزغردت له كل عواصم العرب وأنهالت مئات الملايين من الدولارات على الثورة المنتصرة.. ملايين خص بها المتبرعون أسر الشهداء الذين سقطوا في معركة الكرامة، أجرى أحد الباحثين مسحا لهذه الأسر فيما بعد فوجد أنه لا توجد أسرة واحدة أستلمت فلسا واحدا، بل وجد ان بعضها تعيش في فقر مدقع.

أعداد مذهلة من أبناء الشعب الفلسطيني في الأردن وغيره من أصقاع الارض بدأت تنضوي تحت لواء الثورة المنتصرة على الورق.

في نفس السنة أنشأت حركة فتح جهاز الأمن والرصد أو أعلنت عنه، كانت نواته جاهزة منذ وقت وكان الشخص الذي سيديره جاهزا ايضا وهو علي حسن سلامة ولكن ياسر عرفات رأى بداية أن يكون علي حسن سلامة شريكا او مراقبا قبل استلام الجهاز وللتمويه أيضا في نفس الوقت، كان جهاز الرصد أهم وأخطر جهاز في حركة فتح فقد كان جهاز استخبارات حركة فتح وفي نفس الوقت جهاز حماية لقياداتها وعلى رأسهم عرفات.

في عام 1969 أخذ ياسر عرفات ابنه المدلل علي حسن سلامة الى بيروت من اجل لقاء تاريخي ولم يكن هذا اللقاء سوى مع صديقه روبرت أميس مدير عمليات المخابرات الأمريكية في الشرق الاوسط والذي كان في نفس الوقت يعمل تحت يده ثلاثة حكام عرب وآية الله الخميني وأمراء وشخصيات كبيرة وتم تجنيده في المخابرات الأمريكية رسميا ومنح الإسم الرمزي MJ TRUST/2  ولم يكن صاحب الرمز الذي يسبقه MJ TRUST/1  سوى ياسر عرفات نفسه، معظم رجالات فتح الذين جندوا في المخابرات الأمريكية كانوا تحت اسم TRUST في ملفاتهم… ويظهر أن شخصا آخر وسابق لعرفات وهو الذي يحمل اسم MJ TUST .. من هو؟ من الصعب التكهن بذلك ولكن لا يستبعد أن يكون الحاج أمين الحسيني نفسه ولكن ذلك لم يثبت .. ثبت تعاونه معهم بلا حدود ولكن تجنيده لم يذكر.

طلب روبرت أميس من عرفات أن يجعل علي حسن سلامة يعمل مع جهاز استخباراتي عالمي آخر كعميل مزدوج تحت رعايتهم الا ان عرفات رفض ذلك، ثبت في ما بعد أن علي حسن سلامة كان يعمل مع عدة أجهزة استخبارية عالمية كإستخبارات ألمانيا الغربية والإستخبارات الإيطالية وحتى اليابانيين.

أثناء حديث روبيرت أميس مع سلامة سأله  أميس عن أكثر شيء يحبه في الحياة فأجابه عرفات نيابة عن سلامة ” أنه يحب الفرج” قال الكلمة الأخيرة بالعامية كاف سين…

فيما بعد وقف عرفات أمام الصحفيين بعد مذابح أيلول في الأردن وقال أن المخابرات الأمريكية هي التي  كانت وراء هذه المذابح! وكم كان صادقا!.

في بداية عام 1970 أصبح علي حسن سلامة مسؤولا عن جهاز الرصد، في فترة قصيرة حاكم عشرين فلسطينيا بتهمة العمالة للإحتلال وإعدموا بأمر منه .. هل كانوا عملاء حقا؟!.

أكثر الفدائيين الذين ارسلوا من أجل القيام بعمليات ضد الكيان الصهيوني ألقي القبض عليهم بكل سهولة ومنهم من قتل حتى قبل ان يصل، أحد مسؤولي المخابرات الامريكية تحدث عن مجموعة فلسطينية دربت من اجل ضرب أهداف داخل الكيان الصهيوني إلا أن من أرسلهم وضع في بساطيرهم أجهزة لتتمكن القوات الاسرائيلية من القبض عليهم وقت دخولهم وأعتقلتهم.

عندما طرد الشعب الفلسطيني من أرضه وضع أغلبه عبر إتفاق مسبق في الاردن ولأنهم الأكثرية والأقرب للكيان الصهيوني وضع الكيان الصهيوني ورعاته العين عليهم في البداية فقد كانوا أكثر ما يخشون هؤلاء، ثم جاءت الدعاية الرهيبة لحرب الكرامة وكانت نتيجتها أكثر خطرا مما خطط لها والتي نتج عنها تلاحم ما بين الشعبين الاردني والفلسطيني، لذا كانت الخطة التي أقتضى القيام بها هي قصقصة اجنحة الفلسطينيين في الاردن وصنع أحقادا ما بين الشعبين الأردني والفلسطيني وحتما كان المجندون لهذه المهمة على أتم جاهزية والتي جاءت عبر أيلول الأسود في أيلول عام 1970.

قبل احداث أيلول غادر علي حسن سلامة الى الكويت وهناك اجتمع مع ضابط كبير في المخابرات الأمريكية وهو الأجتماع الذي يقال أنه قبض فيه مليون دولار كما تم إجتماع آخر له مع ضابط أمريكي في نهاية عام 1970 في روما، لم يعرف ما الذي جرى في هذين الاجتماعين ولكن بعد الأجتماع الأول بدأ الكيان الصهيوني يبتز كثيرون ممن ثبت بأن لهم دورا في عمليات ضد هذا الكيان، حيث كشف عن أسماء العديدين وعناوين أسرهم في الضفة كما وخطف بعض ذويهم هناك وسجنوا مما جعل الكثيرين يترددوا في القيام بعمليات ضد الكيان الصهيوني، عندما خطفت الجبهة الشعبية الطائرات في الاردن وفجرتها أطلقت معظم المخطوفين لكنها أبقت على عدد من الاسرائيليين وهددت بقتلهم فقام الكيان الصهيوني بجمع كل اسر قادة الجبهة الشعبية الذين يتواجدون في الضفة، في غضون ساعات وهددت بقتلهم فيما لو جرى شيئا لمخطوفيهم مما أدى لإطلاق سراحهم جميعا.

ما من أحد قام ليطفئ نار هذه الفتنة في أيلول 1970 إلا وجرى اسكاته ومنهم من أسكت للأبد كخالد يشرطي والذي قتل في بيروت في ظرف غامض قبل مقابلته مع وصفي التل بأيام.

قلت ما أكثر المجندين للقيام بهذه المهمة القذرة، لقد أختلف الرئيس المصري جمال عبد الناصر والملك السعودي فيصل بن عبد العزيز دوما وأبدا، إلا أنهما أتفقا معا على قصقصة أجنحة الشعب الفلسطيني الذي يريد أن يخرب “البيعة”.

جمال عبد الناصر كان يقول للملك حسين: ابيدهم .. هذه فرصتك!. وسجلت عليه كما يقول المؤرخ المصري محمد الجوادي، والملك فيصل كان يقول أبيدهم ايضا والسلاح علي بل وأرسل قائد الجيش السعودي للأردن مع كتيبة سعودية والتي ظلت في الأردن لاكثر من خمس سنوات، في حرب 1973 رفض فيصل تحريكها لفك الحصار عن كتائب سورية حاصرها الجيش الاسرائيلي في تلك الحرب، وبلغ بالملك فيصل تمويل الدفاع الباكستاني الذي أحرق كتائب الفدائيين الفلسطينيين في احراش جرش بعد أحداث أيلول لينتهي وجود الفدائيين نهائيا في الاردن، وكان قائد الجيش السعودي أكثر وقته برفقة عرفات وحتى خروجه من الأردن.

ايضا لم يخرج ياسر عرفات تمويها كما يقال; بل أن مدير المخابرات الأردنية السابق نذير رشيد اعترف قبل عدة سنوات في مقابلة له مع محطة الجزيرة بأنهم كان يعلمون بخروج عرفات وتركوه يمضي في سبيله، كانت ثمة أوامر بالطبع بعدم التعرض له!.

بعد انتهاء مرحلة الاردن أعتقد الذين يديرون اللعبة أن الوقت مناسبا من أجل حل سلمي! وإجراء محادثات ما بين الفلسطينيين والكيان الصهيوني للوصول لإتفاق ربما شبيه بإتفاق أوسلو الذي وصل له رجال الثورة مؤخرا، فجمع ياسر عرفات قادة فتح وحاول أقناعهم بإلقاء السلاح والإتجاه للحل السلمي والذي برأيه أنه سيكون ناجحا في الحصول على الحق الفلسطيني!!، كان وقتها قد قتل أكثر قادة فتح تشددا وهو أبو علي أياد والذي أتهم الجيش الأردني بقتله، ولكن ما أنهى كلامه حتى انفجر في وجهه الكثيرين من قادة فتح كصلاح خلف وخليل الوزير ومنهم من أعلن تركه لفتح ومنهم من هدد ومنهم من أعلن بأنه سيتحول للجبهة الشعبية .. كان عرفات في موقف لا يحسد عليه فهو في موقف قد يخسره موقعه في فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وبعد وقت قصير جمعهم مجددا وتم الإتفاق على أن لا ينقطع العمل الثوري ولكن بعيدا عن تحميل منظمة التحرير الفلسطينية مسؤولية العمليات التي يتم القيام بها وتم الإتفاق ان تعلن بإسم أيلول الاسود والذي عين صلاح خلف مسؤولا عنها لكن ياسر عرفات أصر أن يضع علي حسن سلامة على خط متوازي مع صلاح خلف والذي انتهى بخلاف شرس بينهما كما ذكرنا آنفا.

في مرحلة لبنان والتي أثبتت بأن ما جرى في الاردن لم يكن نتيجة أخطاء بل نتيجة خطة معد لها مسبقا، فلو كانت أخطاء ما كررت في لبنان وبأسوأ ولم يكن الضحية سوى شعبنا الفلسطيني والذي في كلا المرحلتين تركوه وهو يذبح وينزف ومضوا في حالهم، يقول أحد الفدائيين الفلسطينيين: “كنا نعيش مع جيراننا اللبنانيين في هدوء بال وعندما أعلنت فتح عن أنشاء معسكراتها التدريبية التحقنا بها من أجل تحرير فلسطين ولكنا فوجئنا أنهم وضعونا في حرب مع اللبنانيين” – وهذا الذي حدث تماما في الاردن، أستغرب المبعوث الأمريكي فيليب حبيب عندما كان يناقش مسؤولي فتح عند خروجهم من لبنان; من أن أحد اهم قضاياهم كان هو ترحيل سياراتهم المرسيدس والبي أم. دبليو وأغراضهم الثمينة، وقبل أي قضية انسانية تتعلق بالشعب الجريح الذي تركوه خلفهم.

 وفي حين كانت ترتكب المذابح بحق المخيمات الفلسطينية في لبنان كان علي حسن سلامة يسكر ويقامر مع قتلتهم من قادة الكتائب في فنادق بيروت ذات الخمسة نجوم، فقد كان على علاقة وثيقة ببيار الجميل وولديه أمين وبشير، مع أن ثلاثتهم كانوا عملاء للمخابرات الأمريكية والموساد وبعلم الجهازين وعلي حسن سلامة كان وقتها يعلم ذلك على الأقل بالنسبة لبيار الجميل.

وعلي حسن سلامة هو الذي سحب قوات فتح من مخيم تل الزعتر ليفتح الطريق أمام الكتائب للدخول وأرتكاب مجزرة رهيبة بحق سكانه، وفي حين كان المخيم يدمر فوق رؤوس اهله لم يكن هم علي حسن سلامة سوى التجول في شوارع بيروت مع حسناواتها وبأفخر السيارات وهو يضع اغنية Love Me Tender لألفيس بريسلي بأعلى صوت, وقد وصل بعلي حسن سلامة وعرفات أن يزودوا الجيش السوري بأماكن السلاح في مخيم تل الزعتر كي يقوم بضربها, وعندما حاول أبو داوود انقاذ المخيم أستدعي من قبل حركة فتح وخضع لمجلس تأديبي, ووصل بعرفات أن أستدعى أشرس قادة الدفاع عن مخيم تل الزعتر ووبخهم بسبب “جبنهم” وعدم حرفيتهم في القتال! وحاول أن يجبرهم على السفر خارج لبنان من أجل “التدريب” ولم يوافق سوى شخص واحد وهو الذي ارسله عرفات الى فيتنام وعاد في في تابوت!.

بعد القيام بعدة عمليات فدائية ضد أهداف صهيونية وغربية وعربية متواطئة والتي فشلت لإسباب مريبة، ذهب الرأس المدبر لجل هذه العمليات صلاح خلف الى ياسر عرفات وقال له: أنت بين خيارين – أنا أو علي حسن سلامة؟  فرد عليه عرفات بكل بساطة: علي حسن سلامة! كان جوابا طبيعيا.. حينها صار يعمل صلاح خلف بمعزل عن ياسر عرفات وحسن سلامة ولكن من داخل البيت والذي أدى الى رفع عدد العمليات الفدائية الناجحة التي كان يقوم بها، كان علي حسن سلامة بعد الخلاف قد زاد من عدد الجواسيس والذين لم تكن مهمتهم سوى التجسس على صلاح خلف ورجاله المقربين، ثلاث عمليات فدائية على الأقل قام بها صلاح خلف من أجل اطلاق سراح رجاله ليس من السجون الصهيونية ولا العربية بل من سجون فتح التي يسيطر عليها عرفات وعلي حسن سلامة والتي كان ينتمي اليها صلاح خلف نفسه.. والمحزن أن علي حسن سلامة ليس في كل الاحوال يستخدم السجون بل برك الأسيد في مقر قوات17 التي كان يذوب فيها سلامة الضحايا الغير مرغوب فيهم، الذين قاموا بإحتلال السفارة الإسرائيلية في تايلند وتم فيها خطف سفير الكيان الصهيوني ومجموعة دبلوماسيين معه في 28-12-1972 وتدخلت مصر وأنهت العملية بشرط نقل آمن للخاطفين، حيث سلمتهم مصر لعلي حسن سلامة شخصيا ولم يظهر لهم أثر حتى يومنا هذا، أيضا “خمسة روما” الذين خطفوا طائرة أمريكية في روما في 17-12-1973 وانتهى أمرهم في سجون عرفات في مصر، حاول صلاح خلف اطلاق سراحهم لكنه لم يفلح مما أضطره لخطف طائرة من أجل تنفيذ طلبه فأطلق سراحهم ولكن عرفات غدر بصلاح خلف واعاد  اعتقالهم ونقلهم الى بيروت وقتل قائد المجموعة “أبو محمود”على يد علي حسن سلامة بدعوى محاولة اغتيال عرفات ولكن الوثائق الأمريكية التي كشف عنها “ويكيليكس” مؤخرا ظهر فيها أن عرفات تعهد بإعدامهم للكويتيين والامريكيين، والذين قتلوا السفير الامريكي ونائبه في عملية الخرطوم في 1-3-1973، استلم عرفات وسلامة المنفذين ولم يظهر لبعضهم أثر بعد ذلك.

لن أنسى ما حييت المسنة الفلسطينية التي حفرت الدموع في وجناتها أنهارا وهي تحمل أوراقا بالية بين يديها أمام إحدى مؤسسات “الثورة” وتسأل عن ابنها الذي لا خبر عنه منذ سنين طويلة بعد أن التحق بالثورة التي تعهدت له بتحرير فلسطين- كانت لا تريد سوى خبرا عنه حتى ولو كان ميتا!.

في آخر الثمانينات عثر رعاة في البادية الوسطى في الأردن على مجموعة هياكل عظمية في كهف تعود لفدائيين فلسطينيين من حقبة أيلول ووجد من ضمن حاجيات أحدهم رسالة كان قد كتبها لأمه يطمئنها بأنه بخير.. لكنها لم تصل لها أبدا!.

مئات العمليات الفدائية تلك التي تم القيام بها ومنها ما تمت بمباركة عرفات وعلي حسن سلامة ومنها ما تمت على يد وطنيين مثل صلاح خلف وخليل الوزير وأبو يوسف النجار وأبو داوود وأبو محمد العمري..

كانت بإسم ايلول الاسود .. كانت بإسم فلسطين وكان العديد منها فلسطين براء, فلم تكن الا من أجل الإبتزاز المادي أو ابتزاز المواقف، عرفات وابنه المدلل سلامة دخلوا على خط العديد من العمليات والتي كانت أهدافها وطنية  فقط من أجل الأبتزاز لا أكثر، حتى صبري البنا – من أم علوية، المبتز الكبير والذي كان من كبار قادة فتح وأعلن عن انشقاقه عن حركة فتح في مسرحية ما بينه وبين عرفات عام 1974، فقد ثبت بأن كل شيء كان متفقا عليه وثبت أن العلاقة لم تنقطع بينهما حتى بعد قتله العديد من ممثلي حركة فتح في دول عديدة، بل كان عرفات يتحمل حتى علاج صبري البنا.

دول ومنظمات دولية واستخبارات عالمية وشركات كبرى .. منها ما هي نفطية وطيران بدأت تدفع لياسر عرفات مبالغ مادية ضخمة فقط من أجل أن لا تتعرض مصالحها لخطر الفدائيين، لوفثانزا دفعت لياسر عرفات مبلغ خمس ملايين دولار عام 1972 حتى لا يقترب رجاله من طائراتها ومن ثم صارت تدفع له سنويا.

الملك فيصل بن عبد العزيز تأخر عن الدفع فهددوه بتفجير أنابيب النفط فدفع، الشيخ زايد هددوه بخطف أولاده وقتلهم وقتل دبلوماسييه في الخارج فدفع, والكويت لها تاريخ معهم أيضا بحيث كانت تدفع من نظرة!

معظم دول الخليج كانت تدفع لهم سرا وعلانية وكانت حركة فتح وقت ذلك وفيما بعد أغنى من بعض حكومات الدول العربية.

عندما أنهوا نشاط عمليات أيلول الأسود فيما بعد; شردوا العديدين من الذين أستخدموهم في هذه العمليات دون أن يعطوهم شيئا، ولم يختاروا سوى ما يقرب من ثلاثمائة شخص منهم وكان أكثرهم من الشباب الذي لم يبدأ حياته الأسرية بعد، وقد أرسلوا مجموعة نساء للعديد من المخيمات الفلسطينية لإختيار أجمل مئة فتاة فلسطينية من أجل تزويجهن بالشباب الغير متزوجين منهم مقابل العمل في مشاريع فتح في أوروبا وافريقيا والتي كانت من عرقهم ودمائهم، وكانت لهم مآرب أخرى فيهم، ومن يوافق يختار فتاة منهن واللواتي كن في “مهمة وطنية” كما كانوا يقولون لهن، واعطوا كل عريس ثلاثة آلاف دولار وثلاجة وغسالة وفرن غاز، أكثرهم بعد الزواج أختفى عن أنظار فتح وثورتها مع عرائسهم ولم تتبقى سوى القلة التي ألتحقت بهذه المشاريع.

عملية ميونخ كانت أشهر العمليات الفلسطينية على الإطلاق وببساطة عرّفت العالم أجمع على قضية فلسطين، كانت بتخطيط صلاح خلف وأبو داوود، لم يكن علي حسن سلامة على علاقة بها إطلاقا كما كان يحاول ربطها بإسمه.

بعد العملية أنتقم الكيان الصهيوني من قادة فتح ومنظمة التحرير في العالم بدعوى تورطهم في عملية ميونخ والأعجب وصوله اليهم بكل سهولة بل سهولة مريبة.

بدأ الموساد بإرسال طرود ناسفة لمن تتهمهم والتي استطاعت أن تجرح العديد منهم وقتلت عددا أقل، ثم أرسلت فرق إغتيال من الموساد وكان أول الضحايا وائل زعيتر شاعر وأديب فلسطيني وكان مشهورا في الأوساط الادبية الايطالية بعد ترجمة ألف ليلة وليلة بالأيطالية، لم يكن له علاقة بميونخ ولا غيرها بل كان يقول ان الموساد هو الذي دبر عملية ميونخ، كان من أسرة فلسطينية شهيرة وحاول عرفات مرارا ان يجعله قريبا منه لكنه رفض، أغتاله الموساد في7-8-1972، كما وصل الموساد لممثل منظمة التحرير في فرنسا محمود الهمشري بكل سهولة وقتلوه في 8-12-1972. الدكتور باسل القبيصي مدرس القانون في جامعة بيروت قتل بسهولة عند خروجه من مطعم باريسي. ممثل منظمة التحرير في قبرص حسين ابو الخير ورجل عرفات في جهاز الكي جي بي الروسي وصل له الموساد وقتلوه. ووصل الموساد لبيروت واستطاع بكل سهولة أيضا إغتيال ثلاثة من أشهر قادة فتح وأنشطهم نضالا وكانوا من المقربين لصلاح خلف بعد اختلافه مع عرفات وهم: أبو يوسف النجار وكمال ناصر وكمال عدوان، وذلك في عملية فردان الشهيرة في 10-4-1974، كان علي حسن سلامة على بعد أمتار منهم ولم يقتربوا منه والذين كانوا يدعون دوما بانه على لائحة الإغتيال.

محمد بودية أو الشبح كما كانت تطلق عليه أجهزة الإستخبارات العالمية، فقد فلت في السابق من العديد من عمليات الإغتيال ومنها من كان من طرف الموساد، كان يعمل لصالح الجبهة الشعبية ومع جهاز الكي جي بي الروسي ولم يكن عميلا بل مدربا في برامج متقدمة تخص هذا الجهاز، أختلف مع الجبهة الشعبية وتركهم واتصل بعلي حسن سلامة والذي رحب به ولكن بعد ثلاثة أشهر من علاقته معه أستطاع الموساد ان يصل إليه ويقتله وذلك في 28-6-1973.

وهكذا ينتهي أمرهم في ظروف مريبة ومشبوهة في كثير منها يكون الموساد براء والذي جعلوا منه بفضل دعاياتهم جهازا خارقا وهم أجبن خلق الله، بل على لسان أحد ضباط حركة فتح; منذر أرشيد والذي عاصر كل مراحل الثورة من البداية وحتى النهاية: “كانوا يتساقطون من حولنا.. يفتحون التحقيقات ثم يغلقونها ولا نعرف شيئا عن ما حدث .. بعد عام يحتفلون بذكراهم!”.

أما الرد من عرفات على الدوام فهو ” قتلته الفئة الباغية”.

أحد إستخباريي فتح أثناء عمله في غرفة عمليات أيلول الأسود، قال فيما بعد: ” تعرضت لمحاولة إغتيال في روما وكنت أعلم أن الموساد خلفها ولكني حين عدت الى بيروت أستمرت التهديدات ومحاولات الإغتيال فأكتشفت أن عرفات والمافيا التي حوله لها يد في الأمر فأخذت حذري منهم”.

خالد الجواري كان أخطر عسكري عرفته أيلول الأسود وكان وجوده يعني أختصار عدد المنفذين في أي عملية، حاول قتل غولدا مائير لمرتين، مرة في نيويورك ومرة في روما وكان يعمل مع صلاح خلف، تعرض للعديد من محاولات الإغتيال في بيروت- في إحداها فجرت سيارته ولكنه نجا من الموت بأعجوبة، وظلت أمريكا تطارده وعملائها حتى أستطاعوا القبض عليه ليمضي زهرة شبابه في سجون أمريكا، بعد خروجه من السجن ألتحق بحركة حماس.

في تشرين الثاني من عام 1974 وفي أثناء التحضيرات لإستقبال ياسر عرفات لزيارة نيويورك لإلقاء خطابه في الامم المتحدة، كانت المخابرات الأمريكية على اتصال دائم مع ثلاثة أشخاص من حركة فتح بسرية تامة من أجل هذه الزيارة وهم علي حسن سلامة ونيل شعث وجمال الصوراني – من سيكون مع عرفات ومن يجب أن لا يكون معه وكيف ستتم الزيارة وكيف سيضع عرفات مسدسه، في التقرير المبدئي والذي أرسل لعلي حسن سلامة من قبل احد ضباط المخابرات الأمريكية كان يشمل لأئحة أسماء يمنع حضورها مع عرفات والعجيب أنه كان من بين الاسماء علي حسن سلامة- ورد سلامة بالإيجاب بأن هؤلاء لن يكونوا على متن طائرة عرفات ولكن من هو علي حسن سلامة؟ .. لا أعرفه!!، وقال لهم عندما أعترضوا على مسدس عرفات: “هل رأيتم صورة لعرفات بدون مسدس؟ سيظهر بمسدس كما ظهر فيدل كاسترو في الأمم المتحدة”، وكانت مهمة علي حسن سلامة إعطاء المعلومات الحقيقية والمفصلة ونبذه شخصية عن كل فرد في الوفد الذي سيرافق ياسر عرفات الى نيويورك، لأن معظم جوازاتهم وأوراقهم الرسمية بما في ذلك تاريخ الولادة ومكان الولادة كانت مزورة والأمريكيون على معرفة بهذا; كان إسم ياسر عرفات في جواز سفره الجزائري الدبلوماسي محمد شريف بن علي!.

 استغرب أحد أفراد المخابرات الأمريكية وهو “فرد بورتن” من كيفية تعامل مسؤولي المخابرات الأمريكية عالي المستوى مع علي حسن سلامة عندما وصل برفقة عرفات، خاصة وأنه لُقن بانه كان خلف عمليات أيلول الأسود وأنه من اخطر الإرهابيين عند أمريكا، ولم يعرف الحقيقة الا فيما بعد عندما أصبح احد كبار ضباط المخابرات الأمريكية، وهو الذي كشف عن الإسم الرمزي لياسر عرفات وعلي حسن سلامة في وكالة المخابرات الامريكية، وحاول الحصول على ملف علي حسن سلامة الرئيسي في المخابرات الأمريكية لكنه لم يستطع، حتى أنه أستغرب شدة محافظتهم على ملفه كل هذا الوقت، بل حتى يومنا هذا.

وعندما كان السفير الأمريكي في القاهرة يناقش سرا أسامة الباز رجل الكيان الصهيوني وأمريكا في مصر آنذاك، عن استعدادات زيارة عرفات الى نيويورك لإلقاء خطابه في الأمم المتحدة كانوا يشيرون الى علي حسن سلامة بإسم رمزي (بهلولي).

في أوائل شهر 11 من عام 1974 كشفت وثيقة أمريكية عن حوار جرى ما بين مسؤولين من المخابرات الأمريكية وعلي حسن سلامة وكان الحوار منصبا عن البحث عن عنوان صلاح خلف( ابواياد) وكان سلامة يؤكد لهم أنه الآن خارج بيروت كما قدم لهم أدلة بأن صلاح خلف هو المسؤول عن عملية قمة الرباط التي عقدت في 26-10-1974 والتي لو نجحت لذهب الحكام العرب وقتها في خبر كان، وكان صلاح خلف يريد قرارا عربيا بالإعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، لكن العملية أفشلت من قبل ياسر عرفات وعلي حسن سلامة، وكان علي حسن سلامة يقول للأمريكيين” تخيلوا أن ياسر عرفات سيلقي خطابه في الأمم المتحدة وعلى يده دماء الحكام العرب”، وأكد لهم أن الذين قبض عليهم أثناء محاولتهم القيام بالعملية هم من رجالات صلاح خلف- أبو أياد، وقال سلامة للأمريكيين: لن نجعل من صلاح خلف أن يكون بطلا في أعين الفدائيين!، كما طمأنهم بأن الجبهة الشعبية لن تقوم بأية عملية فدائية على الأقل في هذه الأسابيع حتى تنتهي مداولات الأمم المتحدة بخصوص منظمة التحرير الفلسطينية.

 لم تكن هذه المرة الاولى التي يفتش فيها علي حسن سلامة مع المخابرات الأمريكية عن مكان صلاح خلف – فقبل ذلك وبعد عملية الخرطوم والتي قتل فيها السفير الأمريكي ونائبه في 2-3-1973 فتشوا  عنه مع علي حسن سلامة وكانوا لا يذكرون اسم صلاح خلف والا ويربطوه بإبن العاهرة!.

لا أعتقد أن هناك قائدا فلسطينيا تعرض لمحاولات إغتيال مثل صلاح خلف; عشرات المحاولات تعرض لها في بيروت وفي أماكن عدة من العالم، فلم يترك علي حسن سلامة ومعه ياسر عرفات فرصة للخلاص منه الا وأستخدموها حتى أستطاع أن يظفر به عبر زميله “أبو نضال” عام 1991 ، عندما قابلت ابن أخت لصلاح خلف، سألته من تتهمون؟ قال: امي لا تدعو الا على “أبو عمار”.

 بعد مرحلة أوسلو، كشف نائب رئيس المخابرات المفلسطينية السابق زكريا بعلوشة ورئيس العسكريين الفلسطينيين المتقاعدين في غزة حاليا – وكان أحد كبار استخباريي “أيلول الأسود” في السبعينات; كشف  للكاتب البريطاني مات رييس من أن ياسر عرفات أستدعاه لمكتبه في حمام الشط في تونس عام 1988 وطلب منه معروفا! ولم يكن هذا المعروف سوى التخلص من صلاح خلف -أبو أياد وهايل عبد الحميد -أبو الهول، وقال له سأشكل لجنة تحقيق وهمية تتدعي أنك سرقت مليوني دولار من أموال منظمة التحرير الفلسطينية وعلى أساس ذلك سأطردك فتلجأ إليهم.

في عام 1991  قتل صلاح خلف وهايل عبد الحميد ومعهم فخري العمري تقريبا بنفس الطريقة حيث ادعى قاتلهم حمزة أبو زيد أنه على خلاف مع جماعة صبري البنا- أبو نضال والتحق بحراسة أبو الهول وأرتكب جريمته.

في نهاية الثمانينات أجرى مراسل التايمز جمال حمد مقابلة مع صلاح خلف قال فيها خارج نص المقابلة ” يا جمال كان يمكن لفلسطين أن تتحرر وعاصمتها القدس لو لم يكن هناك عرفات ولا الذين حوله!”

عندما كشف علي حسن سلامة عن مخطط لإغتيال هنري كسينجر عبر إطلاق صاروخ على طائرته من وادي البقاع، طلب سلامة لقاء مسؤول كبير في المخابرات الأمريكية بشكل عاجل، فأرسل له نائب رئيس المخابرات الامريكية فيرنون وولترز وألتقيا في الرباط في 3-11-1974، ووضع المخطط على طاولته وعلى أساسه تغير مخطط سفر هنري كيسنجر.. قيل أنه قبض ثلاثة ملايين دولار على هذه المساعدة!، في 8-7-1975 كشف عن تحويل بنكي لعلي حسن سلامة من المخابرات الأمريكية كان عبارة عن مئة ألف دولار فقط يبدو أنه كان مصروف جيب.

في عام 1975 وعندما بدأت الحرب الأهلية في لبنان قام علي حسن سلامة بتوفير قوات 17 التي كان يترأسها حين ذلك من أجل حماية المؤسسات الأمريكية بما في ذلك السفارة الأمريكية في بيروت والتي خفضت عدد حراستها وترحيلهم الى أمريكيا وأستبدلوها بقوات 17 التابعة لحركة فتح بأمر من علي حسن سلامة وساعد من كان يريد الخروج منهم عبر حمايته حتى المطار في حين كان الشعب الفلسطيني يذبح في المخيمات دون معين أو نصير.

كشفت احدى الوثائق الامريكية عام 2005 عن مرافعة أحد الفدائيين الفلسطينيين الذين قاموا بعملية الخرطوم في شهر 3-1973 والتي قام بها صلاح خلف وقتل فيها السفير الأمريكي ونائبه وذلك في محكمة سودانية كانت تحاكمهم.. قال في مرافعته: “لقد قُتلت امي بسلاح الأمريكيين الذي قدموه للصهاينة .. والذين قتلناهم نعلم علم اليقين بانهم جواسيس يعملون ضدنا وضدكم الا أننا لم نكن نقصد قتلهم ولكن الغبي نيكسون أضطرنا لذلك.. فقد باع شعبه ونحن لا نريد ان نشتري فقتلناهم.. فقط فليجيوني أين ذهب الذين قتلوا أبناء شعبنا في بيروت وهربوا الى السفارة الامريكية .. لقد أختفوا لماذا لم يحاكموا..” ..نعم السفارة الأمريكية التي كان يحميها علي حسن سلامة وياسر عرفات.

وعندما زار علي حسن سلامة أمريكا في شهر 12- 1976 برفقة صديقته جورجينا رزق- قبل زواجه منها، أستقبل سلامة استقبالا حافلا في مركز وكالة المخابرات الامريكية – كان جورج بوش الأب- رئيسا لها ولم يعرف عما إذا قابله أم لا.

 وعندما ألتقى علي حسن سلامة ضباط المخابرات الأمريكية عام 1977 أعتذر لهم عن اختطاف السفير الامريكي الجديد فرنسيس ميلوي في لبنان وقتله وقال أن ضباطكم يتحملون المسؤولية لأنه لم يصلني أي اتصال يفيد بتحركاته لأتمكن من حمايته.

كان علي حسن سلامة قد تعهد للمخابرات الأمريكية مع روبرت آميس وبحضور عرفات على حماية المسؤولين الأمريكيين ومؤسساستهم ومصالحهم وتجنيبها أية عمليات تخريبية وتزويد المخابرات الأمريكية بأية معلومات تساعدهم في حماية رعاياهم ومؤسساتهم .

وكانت النتيجة على لسان أحد ضباط المخابرات الأمريكية: ” لقد ساعدنا كثيرا وأنقذ أرواح العديد من أرواح الأمريكيين وكشف لنا عن العديد من العمليات العسكرية ضد مصالحنا بل أنه تدخل في عدة عمليات في اللحظات الاخيرة وافشلها، كما زودنا بمعلومات حساسة عن الفصائل الفلسطينية الأخرى وغيرها والتي ساعدتنا كثيرا”.

في 8-6- 1977 وفي خضم المذابح التي كان يتعرض لها الشعب الفلسطيني في المخيمات في لبنان تزوج علي حسن سلامة من ملكة جمال الكون السابقة جورجينا رزق- والذي كان على علاقة بها من قبل، كما كان على علاقة مع العديد من حسناوات لبنان – ما يحيرني لماذا لا يصل شبقهم الى ذروته إلا عند فورة الدم الفلسطيني, فقد سبق وان تزوج رجل عرفات لدى جهاز الموساد صلاح التعمري من مطلقة الملك حسين; الأميرة دينا أثناء احداث ايلول، وقد اتصل وقتها بعرفات وقال له: لقد احتليت نصف الأردن، فسأله عرفات كيف؟ فقال: تزوجت الأميرة دينا!، ولا ندري ما احتل علي حسن سلامة بزواجه من جورجينا رزق، هذا الزواج الذي كان على حساب وكالة المخابرات الأمريكية إن لم تكن العلاقة منذ بدايتها! فحتى لقب “ملكة جمال الكون” قيل عنه الكثير وأن وكالة المخابرات الأمريكية كانت وراء منحه للحسناء اللبنانية التي لم تر في الجنس قبل الزواج عيبا وكانت أكثر قربا من متسابقة الجمال الإسرائيلية أيتي أورغاد وحتما هناك ثمة مآرب أخرى.

والمخابرات الأمريكية هي التي دفعت مصاريف شهر العسل الذي أمضاه سلامة مع عروسته جورجينا في جزر الهاواي وفي ديزني وورلد في أمريكا.

في عام 1978 بدأ الموساد يحقق فيما إذا كان هناك علاقة ما بين علي حسن سلامة والمخابرات الامريكية ورفضت المخابرات الأمريكية الإعتراف بان سلامة يعمل لصالحهم، وكان روبرت آميس قد كتب لعلي حسن سلامة محذرا بأن الأسرائيليين يعرفون بعلاقته مع المخابرات الأمريكية ” أستطاع رجالنا الحصول على العديد من تقارير الشركة الجنوبية (الموساد) ومن خلال هذه التقارير عرفت أنهم يعلمون عن علاقة شركتكم مع شركتنا”.. من اجل هذا فكر الموساد بقتله – كل محاولات الإغتيال التي تدعي أدبيات الثورة أن سلامة تعرض لها من قبل الموساد، كانت لا علاقة لها بالحقيقة- فقط في احداها أرسل له الموساد عميلة تدعى أمينة المفتي فقط من أجل الحصول على ملفات لديه ولم يكن هناك نية لقتله.

عندما سأل صديق لحسن علي سلامة وزميل له في العمالة للمخابرات الأمريكية- هل سيحمينا الامريكيون هل يحبونا فعلا؟ فقال له سلامة: يحبوننا كما يحب أحدنا عشيقته لإسبوع وربما لشهر .. وقت الحاجة!..

في 22-1- 1979 تمكن منه الموساد وقتله- وفي ذلك شكوك أيضا! كان منذ فترة يحاول الموساد جاهدا ان يجعل من منطقة الشرق الاوسط كمنطقة خاصة به وقد شن العديد من الحملات على عدة أجهزة استخبارية دولية وعلى رأسها وكالة المخابرات الأمريكية، عثر في جيب علي حسن سلامة على رسالة من جزار الفلسطينيين الماروني بشير الجميل يحذره من محاولة إغتيال قد يتعرض لها قريبا، في جنازته حولت مدافع الكتائب المارونية جهتها عن المخيمات الفلسطينية لبرهة لتطلق في السماء 21 طلقة تحية لصديقهم علي حسن سلامة الذي أخلص لهم على حساب شعبه.

عندما كان يحقق أحد ضباط المخابرات الأمريكية السابقين في مقتل الملحق العسكري الاسرائيلي “جو ألون” بعد أن فتحت أبنتيه ملفه من جديد في التسعينات، فوجه أسئلة الى أرملته جورجينا رزق في القاهرة إلا أنها لم ترد عليه، فأرسل أحد اللبنانيين والذي كان صديقا لفلسطيني مسن كان من دائرة صلاح خلف آنذاك وطلب منه الحديث بشكل شخصي عله يقول شيئا جديدا عن الموضوع، وقابله وقال له فيما قال عن علي حسن سلامة: “لم يكن ذكيا .. ولا حتى متوسط الذكاء ولم يكن عسكريا بارعا او مخططا كما اشيع عنه ..نعم كان وسيما واجتماعيا ومقامرا وسكيرا وزير نساء ويعشق الرفاهية بلا حدود وذاب فيها .. كان لا يلبس الا قمصان الحرير وسلاسل الذهب معلقة على صدره.. حتى أحذيته كانت يدوية تأتيه خصيصا من أيطاليا .. وأني على يقين لو أنه لم يقتل على يد الموساد أو غير الموساد لقتلته المخدرات التي أدمنها بلا حدود.. وإن كان الموساد الذي قتله فحتما لم يقتله الا لأن علاقته مع المخابرات الأمريكية أقلقت الإسرائيليين” أما ألون جو فلم يعرف عنه شيئا.

 قبل مقتل علي حسن سلامة بأسابيع كانت أخبار إدمانه على المخدرات وامتلاكه لكازينو للقمار في بيروت هي حديث القادة, وكان عرفات يقول لمنتقدية أنه يلعب القمار لهدف وطني ما الذي يعرفكم!.

 لذا أستدعى صلاح خلف أحد ضباط حركة فتح “أبو رجائي” وطلب منه قتل علي حسن سلامة وعندما استشار “أبو رجائي” عرفات في الأمر، فسأله عرفات وماذا قلت له؟ فرد عليه أنه لم يكن لديه جواب وقتها، فصمت عرفات واحس “أبو رجائي” أن عرفات ايضا يريد أن يريح رأسه من “أبنه” علي حسن سلامة وكانت صدمته في ذلك كبيرة فقد كان يحس بان عرفات كان يحنو حنو الأب على أبنه على علي حسن سلامة!.

بعد مقتل علي حسن سلامة حدث خلاف ما بين عرفات وأرملة سلامة; جورجينا رزق وكان خلافا ماديا على الأغلب، قبل عدة سنوات قتلت أخت لجورجينا رزق زوجها في سوريا ومع ان زوجها من عائلة كبيرة الا أن الحكومة السورية قدمت الحماية لها وأخرجتها من ورطتها، وكان خلاف جورجينا رزق مع عرفات كخلاف زوجته سهى الطويل مع ورثته في مؤسسة الثورة!، والعجيب أن قريبا لجورجينا رزق من موارنة لبنان يدعى بيار رزق كان المدير المالي لسهى الطويل وقد أتهمه ياسر عبد ربه بأنه هو الذي يدير الحرب ضد السلطة الفلسطينية بلسان سهى الطويل وذلك في حديث سري مع القنصل الأمريكي في القدس، وبيار رزق وهو الذي أنجز اتفاقا بعد موت عرفات لصالح سهى الطويل مع السلطة الفلسطينية بحيث تدفع مبلغ 22 مليون دولار سنويا لسهى الطويل مقابل: أن لا تكشف عن حسابات عرفات وأستثماراته المنتشرة في دول العالم وأن تسمح بأن تحول الاموال المخصصة للشعب الفلسطيني الى حسابات السلطة!.

هل تعلمون من هو بيار رزق؟ – رجل سهى الطويل وعرفات من قبل؟ كان مدير استخبارات الكتائب أثناء الحرب الاهلية في لبنان في السبعينات، كان مسؤول الأمن الخارجي في القوات اللبنانية، وكان من أهم رجال الموساد في لبنان وظل حتى موته مؤخرا مطلوبا للقضاء اللبناني في قضايا تجسس خطيرة، وظل صديقا لعرفات ومديرا للعديد من استثمارات فتح في الخارج – أثناء مفاوضات اوسلو وعده عرفات بإقامة شركة اتصالات للهواتف النقالة في فلسطين ولكن منيب المصري أخذ المشروع منه بقوة، مما دفع رزق بمقاضاة عرفات والذي دفع له خمسة ملايين دولار لإسكاته وقد أقام لسنتين مع عرفات في رام الله قضى معظم وقته مع أصدقائه الإسرائيليين في تل أبيب، كان يصفه الصهاينة بالمتلون والنسونجي!.

وماذا بعد أيها الفلسطيني بعد هذه الخديعة ..  بعد هذه النكبة التي أطلعت على تفاصيلها أعلاه.. لن أقول كثيرا لكني سأشارككم بشعور حزين لضابط في المخابرات الامريكية شارك في جنازة علي حسن سلامة، شعر بالحزن ليس على فقدان علي حسن سلامة فقد عوضهم عرفات عنه بالعشرات! ولكنه حزن على مئة الف فلسطيني شاركوا في الجنازة وهم يهتفون من أجل روح الشهيد، والذين خدعتهم المخابرات الأمريكية بنضاله المزعوم.. وما أكثر المخدوعين بهؤلاء.. اللهم أشهد بأني قد بلغت.

Previous Story

المجر تدعو النمسا وألمانيا لإغلاق حدودهما

Next Story

قوى الامن: 6415 مخالفة سرعة زائدة خلال اسبوع

Latest from Blog

المير الأصيل

المير الأصيل سيماؤه في إطلالته، ولكل امرئ من اسمه نصيب”، هذا ما قاله العرب قديماً. انه