/

 الفساد سيّد لبنان – عماد جانبيه

110 views
31 mins read

رادار نيوز – لم يخل عهد من عهود الحكم في لبنان، من الحديث عن الإصلاح، ولم يغب عن بال مسؤول أن يكون أول المتصدرين لمحاربة الفساد. لكن منذ قرن ونصف القرن، على الأقل، لم يتحقق إصلاح في هذا الوطن الصغير، بل حفلت الوثائق وكتب التاريخ ومقالات رجال الصحافة ووسائلها على أنواعها وتنوعها رغم اختلاف انتماءاتها، بملاحم عن الفساد وبطولات الفاسدين، من دون أن يتم توحّد منهجي، ضمن رؤية شفافة ومسؤولية عالية، لمحاربة الفساد، بإستثناء المحاولة اليتيمة التي أنجزها الرئيس فؤاد شهاب لإنشاء دولة المؤسسات، فأفسدها القائمون على حماية عهد الرئيس الذي وصفهم بآكلة الجبنة.

وفي كل مرّة ينجح الشارع في استقطاب القوى الضاغطة لتحقيق الإصلاح وترسيخ ديمقراطية صحيحة وتأمين تكافؤ الفرص وتحصين حياة الناس، تطوّقه القوى الحاكمة والمتربّعة بقوة الوراثة أو الطائفية، وتحوّل مجرى طموحات الشباب إلى غير مقصدها، لا بل تجيّرها لخدمة مصالحها الخاصة.

إن خبرة الأيام وقراءة اليوميات أقحمت اليأس في القلوب والقنوط في شرايين الحياة كأنما انتقلت جينات الفساد بالتوارث القبلي أو الإستبضاع السياسي، واخترق الإباء والشموخ ليصير قياساً للشطارة ونهجاً عادياً تفلّت من إطار الخجل والحياء.

مصدر الفساد، في التاريخ اللبناني، الاستقواء بالقوى الخارجية لتثبيت حكم داخلي، أو وظيفة إقطاعية، وتالياً لإقتسام مغانم الحكم أو عائدات الوظيفة، ومن عهد الإمارة إلى عهد عنجر وقانون انتخاب عام 2000، يدفع اللبنانيون الأموال ويقدمون الحلال إلى مقتدر يحفظ مكانتهم ويصون ما لديهم من نعم، أو يؤمن لهم مثل تلك المكانة في الحكم، إلى جانب القائمين أو على حساب الغاء الآخرين.

وفي مراحل التغيير، بين وصاية واخرى، يلجأ الخائفون على مصيرهم إلى طوائفهم التي تجاهلوها في وجود الوصاية الخارجية، ليستظلوا حماية تفرز انتماءً دينياً مقيتاً حيث يصير الإنتماء، ضمن المذهب الواحد، متفاوتاً، وهو ما درج عليه أهل السلطان منذ قرن ونصف القرن إلى اليوم!

والإنتماء الى القوى الخارجية وإلى المظلة الطائفية، تقَدم على الإنتماء للوطن، من حيث مفهوم المؤسسات وقيام الدولة واحترام الدستور والقوانين، واعتماد سياسة الثواب والعقاب على صعيد الإدارة العامة، بعد أن يكون سبقه توفير تكافؤ الفرص واحترام الكفاءات. وتراجع تراتبية الإنتماء وطنياً.

إن اموال الفساد والسرقة، شكّلت، منذ إعلان لبنان الكبير وإلى اليوم، ثروة أساسية للمتعاملين بها، وأمّنت حماية إقتصادية، حيث عجزت الدولة ومؤسساتها عن تأمين تلك الحماية، فضلاً عن القطاع الخاص، وما السؤال، عن كيف يعيش اللبنانيون، أواخر خمسينات القرن الماضي، ولغز ظاهرة إنفاقهم أكثر من واقع دخلهم، سوى عنوان بسيط، أخفق خبير اقتصادي نمسوي في معرفة حقيقته وتحديد مصادر الثروة، فإكتفى بعبارته، لا أرى في المستقبل رواجاً واسعاً إلّا لثلاثة  أنواع من التجارة، تجارة السياسة وتجارة الطائفية وتجارة التهريب، إلى ما يندرج تحت بنود كل منها من تجارات جزئية وفرعية أو متممة بما يعرف بالإقتصاد الأسود.

لقد أصاب الفساد جميع شرايين الإقتصاد في التجارة الخارجية والداخلية، في أسعار الإستهلاك من المحروقات بنزين ومازوت، في المواد الغذائية ورغيف الخبز، في الإستشفاء والمستلزمات الطبية وتسعير الأدوية ونوعيتها، في المؤسسات العامة على اختلافها وأنواع سلطاتها العليا. وفي السلوك المجتمعي، ما يعني أن الإنزلاق الكبير قد وقع…

وحقق الفساد توزيعاً للثروة، بين الموظف الصغير والموظف الكبير وصولاً إلى المسؤولين، ولو القبول به على صعيد الوظائف المتوسطة والصغرى نسبياً، لكانت الأوضاع الإقتصادية العامة أكثر سوءاً، حتى أن المسؤولين أنفسهم، يشجعون على قبول الرشوة تعويضاً عن زيادة الأجور، وربما حتى لا يشعروا هم أنهم وحيدون في هذا المجال. وحققت الرشوة للكثير من الموظفين الانتقال إلى نمط اجتماعي مميّز يكسر حدة الفروقات الإجتماعية والإقتصادية بين الأوادم وبين الفاسدين، فيصير حلالاً للآخرين الإمعان في الثراء والتوسع في تحليل المحرمات.

كل شيء في هذا الوطن الصغير مموهاً ليستمر الفساد مورداً مالياً، ولو تم التحقق في مصادر الثروات لدى الشعب اللبناني بكامله لما بقي في منخل العفّة والنقاء إلّا القليل النادر.

في كل عهد يعودون ويكسبون الرهان بتسويات تجبرهم على الإنتساب إلى ولاءات الأسياد الفاسدين، فيوجهون القوانين والتشريع بما يخدم مصالحهم المبنية على التوسّع في الفساد. إن لبنان الذي نشأ شعبه وهو يتنسّم ميكروبات الفساد وجراثيمه في مستوى أجياله من الطفولة حتى الشيخوخة.

لا شك أن الشعب اللبناني ذاته ينقذهم، لسبب أنه لم يظهر يوماً امتعاضاً، ولم يترجم معاناته المعيشية اليومية في تحركات في وجه الطبقة الحاكمة، فهو يقطع الطرقات ويشعل الإطارات لساعات، ومن ثم يتأقلم مع كافة الأزمات التي يعاني منها.. اليس غريباً أننا في بلد يرتفع فيه سعر صفيحة البنزين أضعاف وأضعاف ولا يخف ازدحام السير بنسبة واحد في المئة، أليس غريباً أن ابناء هذا البلد يفكرون في السياسة فيما زعماؤه يمارسون السياسة من دون تفكير…

فإن رفع الدعم كاملاً عن المواد الحيوية لن يثير نقمة وغضب الشارع كما يخشى المسؤولون، لإعتبار أن الكحل أحسن من العمى.

ففي السياسة على الطريقة اللبنانية هناك نفق، بل أنفاق، لكنها مسدودة ولا بصيص ضؤ في نهايتها. والفساد في لبنان هو نعمة، والإصلاح هو لعنة لمن ينادي به، ومن يعمل به، لأن هؤلاء يصيرون في مرمى عيون الحاسدين، تضيق بهم دواوين الفساد ومضافات قصور الفاسدين!

Previous Story

محفوظ: اجتهاد قانوني لديوان المحاسبة في محاسبة الوزراء وملاحقتهم

Next Story

محفوظ: لحكومة تعالج المخالفات الاعلامية بعيداً من الاستنسابية

Latest from Blog

حقق أهداف الفكرة

رادار نيوز – الياس ع. الأحمر ممنوع عنك الاستسلام ما دمت تستطيع التنفس… واجه مخاوفك بقوة،