/

وزير الثقافة ممثلا رئيس الجمهورية في تكريم الراحل الدويهي ومنحه وسام الاستحقاق اللبناني البرونزي

58 views
43 mins read

رادار نيوز – مثل وزير الثقافة القاضي محمد وسام المرتضى فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون في حفل تكريم الروائي الراحل الدكتور جبور الدويهي تحت عنوان “تحية وفاء” في اهدن من تنظيم وزارة الثقافة، بلدية اهدن، وعائلة الراحل التي سلمها الوزير مرتضى باسم رئيس الجمهورية وسام الاستحقاق اللبناني البرونزي تقديرا لعطاءات الراحل وذلك بحضور حشد من الفعاليات والشخصيات والهيئات الثقافيه والادبية.

وكان للوزير المرتضى كلمة بالمناسبة جاء فيها:

عند زيارةِ إهدن، يرتقي الدربَ قاصدُها في كلِّ مرةٍ مرَّتَين: واحدةً إلى القممِ، وأخرى إلى القِيَم.

وإهدن فضاءٌ لبنانيٌّ مسكونٌ بالوجعِ الإنساني المزمنِ وبالحريةِ والجمالِ وعبقِ الوادي المقدسِ وجيرةِ الأعالي، فخليقٌ بها أن تُطْلِعَ على امتدادِ الوطنِ والعالمِ قِممًا من القيم.

جبور الدويهي واحدٌ من رعيلٍ تشرَّبَ هذه الأماكنَ، وراح يُعمِّرُ بها رواياتِه بطلًا بطلًا وموضِعًا موضعا.

وأنت إذا قرأتَ “شَريدُ المنازلِ” و”طُبِعَ في بيروت” و”عين وردة” و”حي الأميركان” و”اعتدال الخريفِ” و”مطر حزيران” و”ريّا النهر” و”ملك الهند” و”سمٌّ في الهواء” تجدُ أنّ أديبَنا الراحلَ لم يكن إلا مؤرِّخًا لهذه الجغرافيا اللبنانية بكلِّ ما فيها من حجرٍ وبشرٍ واجتماعٍ وافتراق، ولأحوالِ ناسِها بكلِّ ما فيهم من آمالٍ وخيبات وسلامٍ وصراعات، تأريخًا حيًّا يبدأ من عناوين الروايات حيث تُطلُّ الأمكنةُ بكاملِ إيحاءاتِها، ثم تمضي في الكشفِ عن نفسِها من خلال تسلسلِ الأحداثِ وانقطاعِها عند النهايات؛ ثم تحتارُ أنت القارئُ: من هو الذي يكتبُ الآخرَ: أجبورُ الدويهي هو الذي يحكي قِصَّةَ المكان في سياقِ رواياته، أم المكانُ هو الذي يُملي عليه الأحداثَ ويختارُ الأبطالَ ويَعقُدُ الحبْكةَ ويُقدِّمُ الحل؟

وللعمل الروائي قواعدٌ التزم بها راحلنا الكبير دون أن يمنعه ذلك، وهو المتجذرُ في شجونِ المجتمع اللبناني، من اتخاذِ قضايا هذا المجتمعِ الراهنةِ قواعدَ ثابتةً أدبيًّا وإنسانيًّا تُحددُ في العمقِ إطار َأعمالهَ، حتى سُمِّيَ عن حقٍّ “روائيَّ الحياةِ اللبنانية”؛ ولهذا يشعرُ قارئوهُ سريعًا كم تفيضُ من كلماته الهمومُ الاجتماعيةُ المتماديةُ الحضورِ، كأنّه يكتبُ بالوجعِ لا بالحبر. “الموتُ بينَ الأهلِ نعاس” يشكِّلُ مثالًا على الحزن الذي يغزو حروفَه حين يعالجُ واقعَ الحياةِ اللبنانيةِ المتصدّعةِ بفعلِ الانقساماتِ الطائفيةِ والسياسيةِ والمناطقية؛ حزنٌ رافق قلَمه في كلِّ ما كتبَ، بل ازدادَ سطوعًا من روايةٍ إلى أخرى وصولاً الى “سمٌّ في الهواء” لأن همومنا الوطنية بكلِّ أسفٍ لا تنتهي. لكنّ هذا الحزنَ في الحقيقة حزنٌ مجبولٌ بالأملِ يُعلِّمُ كيف ينبعثُ الضوءُ من الظلمةِ والرجاءُ من اليأس.

“شَريدُ المنازلِ” هي الأحبُ على قلبي من رواياته نَطَقَتْ بأنَّ المحبَّةَ قادرةٌ على إزالةِ جميع الفوارق في الحياةِ وبعدَها، وأن التنوُّعَ إذا حكمَتْه المحبةُ يُثْري، وأن جيرةَ المدنِ نسبٌ يجمعُ ناسَها إلى أرومةٍ واحدةٍ مهما اختلَفَتْ مشاربُهم الثقافية والدينية.

وروايتُه “حي الأميركان” تُفضي إلى العِبْرةِ نفسِها وتكشفُ بخاصةٍ غِنى العلاقات التي تنسجُها أحياءُ طرابلس بساكنيها وبالوافدين إليها، وقد خبِرْتُ خُلاصةَ ذلك شخصيًّا، عندما جِئتُ في مطالعِ حياتي إلى الفيحاءِ قاضيًا فأعطتني هذه المدينةُ وسائرُ مدنِ الشِّمال من الصداقاتِ والأُخوّاتِ والموداتِ ما لا أنساهُ العمرَ كلَّه.

جبور الدويهي أهَّلَهُ قلمُه المغموسُ في مِحْبَرَةِ الواقع اللبناني، لأن يُطلَّ على الأدب العالمي إطلالةً واسعةً، فرُشِّحَتْ رواياتُه أو معظمُها لجوائز أدبيةٍ راقيةٍ كما تُرجمت إلى لغاتٍ كثيرة. هذا يثبت أهميةَ التشبثِ بالجذور، لا في الأدب فقط، بل في كلِّ منحًى من مناحي الحياة.

إنها دعوةٌ إلى شبابِ الجيلِ الصاعدِ أن يتمسّكوا بهذا الوطنِ، هُوِيَّةً وقيمًا، فإن الشجرةَ لا تُناطحُ السماءَ ولا تمدُّ أغصانَها إلى البعيدِ إلا متى رسخَتْ عميقًا في تُربتِها.

ولعلَّ المهَمَّةَ الأساسيةَ الملقاةَ على عاتقِ هذه الحكومة هي: كيف نستعيدُ ثقةَ الشبابِ بلبنان ليظَلّوا فيه ويعملوا على بنائه وطنًا عصريًّا جديرًا بطموحاتِهم.

صحيحٌ أننا نِلْنا ثقةَ المجلس النيابي، لكن الثقةَ الحقيقيةَ التي نسعى إليها هي تلك التي يمنحُها المواطنون عندما يلمُسون بأيديهم نتائج ايجابية للعمل الحكومي.

أنا أعرفُ مقدار النقمة لدى شريحةٍ كبيرة من اللبنانيين على الأداء السياسي منذ عقود، وسعيَ الكثيرين إلى الهجرة من أجل العمل وطلبِ العيشِ الكريم، وأعرفُ الضائقةَ الاقتصاديةَ التي نمرُّ بها دولةً وشعبًا، وأرى جبالَ التحدياتِ التي تطوِّقُنا في بلدٍ مشرعٍ أمام القهر والفقر، قلوبُنا عَلَيهِ مسكونةٌ بالهمومِ، ومعظُمنا يعيشُ أسوأَ تجارِبِ البؤسِ في تاريخِ لبنان الحديث، لكنَّ قدرَنا الذي لا مفرَّ منه: أن نثِقَ بأنفُسِنا وبما لدينا من كفاءاتٍ قادرةٍ على وضعِ السياساتِ والخططِ الكفيلةِ بإخراجنا من هذه الصعوباتِ القاسية، بالثبات والتضامن فيما بيننا، وبالتعاون مع الأشقاء والأصدقاء؛ وهذا ما نحن عليه عازمون.

وبعضنا يتساءل: هل يمكنُ إنجاز مشاريع إبداعية على مستوى الوطن، في حمأة هذه الضائقة الوطنية وهذا الشلل الخطير؟

أقول نعم، وهذا واجبٌ بالرغم من كل التحديات الكبيرة… علينا أن نحاول… فالعطاءات الفكرية تُثري وجودَنا وتُسهم في استعادتنا لهويتنا الثقافية، ولا محيد عن إستكمال بناء ما أنجزه السابقون ومنهم راحلنا الكبير من أجل إعلاء دور لبنان الثقافي الريادي.

لذلك أراني متعهِّدًا أمامَكم ببذل كلِّ ما في وسعي لدعم جميعِ الجهود الثقافية للبنانيين المقيمين والمغتربين، ولإحياء المناسبات الثقافية على أفضلِ ما يسمح به الوضع الماليُّ المأزوم، فإنما بالثقافة أولًا يستعيد لبنان مكانتَه مركزًا للتلاقي ومنارةً تَشِعُّ نورًا وحضارةً على المستويَيْنِ العربي والعالمي.

وفي الختام، وأمامكم أيها الحضور الكرام.
أشهد بأنّ الراحل الكبير كان ممن آمن بلبنان موئلاً للفكر ومنبعاً للحضارة، وأشهد أنّه ممن عمل الصالحات بالنصح والإرشاد، وبالهداية الى درب المواطنية المثلى، وأنّه ممن تواصى بالحقّ… حقُّ الإنسانِ بأن يحفظَه أخوه الإنسان، وأنّه ممن تواصى بالصبر وقد جسَّده فعلاً لا قولاً وأصرّ على أن يبثّ أملاً حتى وهو في خضم أعلى درجات الألم، الألم على وطنه ينزفُ، وعلى جسده يتهاوى بفعل المرض، وهذا ما تشي به روايته الأخيرة ” سمٌّ في الهواء”،

كما أشهد أنّه ممن جاهد وإجتهد ما جعله في مصاف الأعلام الخالدين، إذْ أغنى بنتاجه المخزون الثقافي اللبناني وعمّق فينا نحن من قرأه الإنتماء الى لبنان الوطن ولبنان الرسالة، فالى منظّمي هذا الحفل المهيب والمشاركين فيه أتوجّه بالشكر الجزيل على إحيائهم ذكرى فقيدنا الجليلة، والى راحلنا حيث هو أتوّجه بصادقِ المحبّة وعميقِ التقدير مع رجائي بأن يديم الله ذكراه وأن يُطّيّب ثراه وأن يبقى لبنان وطناً أبيّاً منبعاً للثقافة وقُبلةً للمثقفين.

وبعد الانتهاء من كلمته باسم رئيس الجمهورية، سلم الوزير المرتضى، عائلة الراحل المكرم وسام الاستحقاق اللبناني البرونزي وقال؛

“أيها الفقيد الغالي
تقديرأ لعطاءاتك في مجال الأدب والفكر وسيرتك الثقافية والأكاديمية المشعة، وارثك الادبي المكلل بالجوائز والتكريم والتقدير، قرر فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون منحك وسام الاستحقاق اللبناني البرونزي، كلفني فشرفني ان اسلمه اليوم الى عائلتك الكريمة، متقدما منها باسم فخامته وباسمي الشخصي بأحر التعازي، سائلأ القدير ان يتغمدك بغالي رحمته ويسكنك فسيح جناته، وان يلهم عائلتك ومحبيك الصبر والعزاء.

Previous Story

كتاب رئيس التجمع اللبناني العربي في الذكرى 39 لعملية البطل خالد علوان

Next Story

رؤساء تحت سيف التهديد – عصام فاخوري

Latest from Blog