زمن الحرائق في كل الإتجاهات – عماد جانبيه

36 views
32 mins read

لا تفسير ولا تحليل ولا نتائج مريحة لكل ما يحصل في لبنان، سلطة الوكلاء رهينة الخارج في زمن الحرائق السياسية، والإقتصادية، والمالية والبيئية. حكومة الوكلاء عن زعماء الطوائف تستحق أن تخاطب بغير إدارة بعض الشؤون الصغيرة. البرلمان نسخة موسعة عن برامج الحوارات السياسية الموجهة إلى عواطف الجمهور. لا تواصل بين القوى السياسية الفاعلة. لا وجود لمعارضة سياسية شعبية خارج تجاذبات أطراف الفريق الحاكم. القطيعة كاملة بين الشعب والدولة. يتفاقم الشعور باليأس من إمكانات تصحيح الأوضاع. الهواجس الطائفية والمخاوف الأمنية والأزمات الإجتماعية المرتبطة بلهيب الدولار وغبار التحركات السياسية غير الواضحة المسار.

صرخات أوجاع اللبنانيين المشتتة، الذي يكوي الجوع أمعائهم، والنار تلفح وجوههم وتحرق أرزاقهم، بفوضى الحرائق والكوارث والتي هي بفعل الإنسان، ومساهمة العوامل المناخية في انتشارها، التي ضربت الأحراج على امتداد المناطق اللبنانية. ولا شيء تغيّر بالمشهد الأسود الذي يسوّد وجه الدولة أمام شعبها، وسوّد وجه الدولة وشعبها معاً أمام الشعوب والدول الأخرى.

سلسلة مشاهد بمسلسل طويل ومملّ، فاقد المبادرة لصناعة مستقبلنا، ولا تقدّم في أي مجال لمعالجة مشكلات تتصل بتقدمنا الإجتماعي، وبضغوط خارجية وسياسات دولية، حيث تجرأت على التعامل معنا بلغة الإستعمار الجديد مستهدفة إعادة تشكيل وجودنا في نظام إقليمي، بطريقة عيشنا وتحديد مصير أولادنا في الإغتراب، فسدت أمام البعض منهم سبل العمل من أجل حياة أفضل.

صرخات من تدني الليرة اللبنانية وارتفاع في سعر صرف الدولار الأميركي غير المبرر، وصرخات من الحوادث الأمنية الفردية، وحوادث القتل والسرقة والإعتداءات، والموت على الطرقات. وشكوى السجناء وأهاليهم ومظالم العدالة. الكهرباء والماء والغلاء وفساد الأغذية وإنحدار المستوى الصحي في لبنان من فقدان للدواء وغلاؤه اللامنطقي، والمخالفات والنهب المتواصل للمال العام والهدر واستباحة ثقافة الإستهلاك والإعلام المشوّه والإعلان الرخيص والتربية المزوّرة. كل هذا مفرقعات في سماء الجو الطائفي والمذهبي المحموم.

الشعب يدير ظهره لشعارات الإصلاح، لقانون الإنتخاب ولمكافحة الفساد وللفضائح المالية العامة. المشكلات والمطالب القطاعية في زمن الإنهيار الإقتصادي، لا تلقى التضامن غالباً ما تقابل بالعزوف أو الإستنكار، من مطالب السائقين العموميين إلى الأساتذة الثانويين والجامعيين إلى العمال الموظفين ونقابة رغيف الخبز.

يتصدر المسؤولون في لبنان منابر الشكوى والتذمر مثلهم مثل المواطنين العاديين. تحوّل شباب لبنان في جامعاته إلى أحصنة رهان على المزاج السياسي وشعبية هذا التيار أو الحزب أو الفريق.

الدولة القائمة في لبنان تمثّل حصيلة ضغوط القوى السياسية جميعها، وهي التي تقرر النظام الإنتخابي. لا تقف الدولة على أعتاب طائفة عاصية، بل على أبواب كل الطوائف العاصية على الدولة. كل الطوائف كان لها تجارب مع السلاح بالتوالي، وكل الطوائف قفزت فوق الدولة. وكل الطوائف حدوداً لسلطة الدولة ولا تزال. الإعتراض على قانون انتخاب ينسجم مع الدستور مثله مثل السلاح. الإعتراض على الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية، أو على قانون مدني اختياري للأحوال الشخصية، أو على اللامركزية الإدارية أو التنمية المتوازنة، وهي نصوص دستورية نقائض للدولة كما السلاح في يد حزب أو طائفة. الفارق الجوهري والوحيد أن السلاح ضرورة لبنانية لحماية أرض وحدود وجماعة، وله دور في بقاء الكيان تكويناً واستقلالاً ووحدة حتى اشعار آخر.

ما نحن فيه اليوم، أننا ما زلنا نمارس الإعتراض على الدولة ولا نعرف كيف نفكك المصالح المسيطرة فيها ونعزلها عن جمهورها وركائزها. ولا نعرف كيف نبني حياتنا الوطنية على تفعيل حراك الجمهور اليومي حول قيم ومعايير وسلوكيات مشتركة. تتشارك كل التيارات الفكرية والسياسية بالتبشير والتحريض، وليس هناك من يقيم نماذج جذب وإلهام واستحسان.

لا ديمقراطية في أحزابنا، أفكارها شخصانية لأن قياداتها وراثية، وعلاقاتها استبدادية، عناصرها منتفعة، وعيها امتثالي غير نقدي، ثقافتها انتقائية، ممارساتها فوقية، تكتيكاتها انتهازية، نزاعاتها سلطوية، رموزها تفتقر إلى الكثير من المصداقية. هذا هو الوضهع النموذجي لقوة الدولة وسلطانها. لطغيان الحاكم من المساءلة والمحاسبة بغير التذمرات الخافتة حينا، والعالية أحياناً أخرى. في ثقافتنا السياسية الشعار والنص أقوى من الحياة، الزعيم أقوى من الحقيقة، القائد أهم من المعرفة.

يوم غابت سلطة الدولة لم نتصرف بأفضل منها. استرسلنا في الفوضى وأخذت سلطات الأمر الواقع أسواء أدوارها. كانت الأحزاب في كل دوائر نفوذها سلطوية لا قيادية، هي نفسها التي أعدنا اعمار البيت اللبناني فيها. تبدّلت النخب بعد الحرب، جاءت نخب أحزاب التغيير يميناً ويساراً، مسيحيا وإسلامياً، ًهذه هي التي تدير الدولة اليوم.

حصل التغيير في الأسماء وزاد سوءاً في السياسة. كنا بالماضي أكثر جرأة على نقد الزعماء بأسمائهم وبتصنيفهم، أما اليوم فلا نجرؤ على أن نقول لهؤلاء أنهم غيّروا لبنان نحو الأسوأ. تغيّر الدستور إلى الأمام وتغيّرت السياسة إلى الوراء. الأحزاب لا نقد ولا مساءلة داخلها، وكذلك المؤسسات الدينية. الطوائف لا حراك داخلها وكذلك الصراع الإجتماعي. تغيّرت الدنيا من حولنا ولا نزال نحتفظ بأسمائنا وعقائدنا، بهياكلنا التنظيمية، بقواعد عملنا، بأفكارنا وشعاراتنا، كما يفعل الفكر الديني التقليدي. ومع ذلك ندعي التغيير. لم نكتشف بعد عصب التغيير، قوة التغيير، جذوة التغيير، هذا المألوف السائد لم يعد يستحق الحياة.

Previous Story

حقيقة لا تتغيّر – بقلم حاطوم مفيد حاطوم

Next Story

حاطوم مفيد حاطوم يهنئ الوطن بعيد الاستقلال

Latest from Blog