آلدو روسّي.. مهندس الفتنة

142 views
57 mins read

عماد جانبيه

مثل جنرال يدرس ساحة المعركة كان يمشي في مدن أوروبا ليفهم مخططاتها
يعتبر آلدو روسّي (1931 ـ 1997) من أهم المعماريين في أوروبا والعالم وقد لعب دوراً مهماً في تطوّر الحركة المعمارية التي عرفت بتيار “العقلانية الجديدة” في إيطاليا في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. إضافة الى نشاطاته ومشاريعه العديدة في مجال العمارة، شارك روسّي في التعليم في أهم الكليـّات المعمارية في العالم مثل ميلانو، زوريخ، البندقية، هارفرد وكرانبروك. ترك روسّي مجموعة كبيرة من الاعمال المعمارية.

يطل علينا المؤلف آلدو روسّي من خلال كتابه “السيرة الذاتية العلمية”، بأنه يدون مذكراته محاولاً إنجازها الآن كي لا تتحول إلى مجرد ذكريات، وبأن كل كتاباته ورسوماته تبدو له نهائية من منظارين: أولاً لأنها تختم مرحلة اختباراته الشخصية، وثانياً لأنه لم يعد لديه شيء يضيفه إليها.

كل موسم صيف كان يبدو له وكأنه الأخير، وهذا الشعور يفسّر، بالجمود، العديد من أعماله. ولكن في سبيل فهم أو تفسير أعماله المعمارية، عليه ان يعود الى الأشياء أو الانطباعات، وأن يصفها أو يحاول وصفها بطريقة ما. إن أهم مرجع له هو المذكرات العلمية لـ “ماكس بلانك”، والى الانطباع الذي تركه في ذهنه إعلان مبدأ حفظ الطاقة.

يقول إن دراساته الأولى لم تكن في الفنون، وفي كل الأحوال لكل المهن القيمة نفسها شرط أن يكون لها غاية محددة، وكان بإمكانه أن يدرس أي شيء، وبدأ اهتمامه ونشاطه في مجال العمارة متأخراً. لطالما كان مهتماً بالأشياء والأشكال ولكنه كان دائماً يعتبرها كاللحظة الأخيرة لنظام معقد، لطاقة لا تظهر إلا من خلال هذه الوقائع. لذلك كان متأثراً جداً في طفولته بـ “الجبال المقدسة” بشكل خاص: فكان يبدو له أن المجسمات الجصّية، والحركة الساكنة، والتعبير المعلّق، من الصعب أن يعبّر عنها إلا في سياق قصة ما تجسّد التاريخ المقدس بالكامل.

هذا هو المبدأ الأساسي الذي يظهر في أطروحات عهد النهضة الإيطالية عن معلّمي العصور الوسطى: إن الشرح التي أعطي لهذه الأشكال أتاح المجال لاستمرارية كان من الصعب الحفاظ عليها بطريقة أخرى، كما أتاحت المجال لتحولات عدة، بعد أن تم تحديد الحياة في أشكال معينة. لقد كان معجباً بقدرة المعماري آلبرتي ومثابرته في تكرار وإعادة صياغة الأشكال الرومانية، كما يظهر في أعماله في ريميني ومانتوا، كما لو أن التاريخ المعاصر لم يكن له أي تأثير. لقد تعاطى آلبرتي بطريقة عملية مع المادة الوحيدة المتوافرة للمعمار. وعندما وقف في وسط كاتدرائية سان أندريا في مانتوا، شعر لأول مرة بهذه العلاقة بين الوقت في معناه المزدوج الطقسي والزمني وبين العمارة، إذ رأى الضباب يدخل الكاتدرائية، كما أحب غالباً أن يراقبه يدخل فضاء الـ “غاليريا” في ميلانو، كالعنصر غير المنظور الذي يحوّل الأشياء ويعدّلها، كما الضوء والظلال، كما الحجر الذي انبرى تحت أقدام الأجيال.

مواجهة إلى الأبد

ربما كان هذا الشيء الوحيد الذي أثار اهتمامه في العمارة لأنه كان يدرك أنها وجدت من خلال مواجهة بين الأشكال والزمن، حتى النهاية؛ فكانت العمارة إحدى الوسائل التي حاولت الإنسانية من خلالها أن تستمر وتعبر عن بحثها الجوهري عن السعادة. وهذا البحث لا يزال يستثيره عندما يرى الأشكال الأثرية، والمواد الطينية، والأدوات، والقطع الصخرية التي تحمل آثار الهياكل العظيمة. لهذا السبب يحب المتاحف البليونتولوجية وعملية إعادة تكوين الأشياء من الأجزاء التي تبدو دون أهمية في عزلتها.

ففي بعض مشاريعه الأخيرة، حاول أن يوقف الحدث قبل حصوله، كما لو أنه بإمكان المعماري تنبؤ طريقة تطور الحياة في المنزل، إذ من الصعب على مصممي الديكور الداخلي فهم هذه الأشياء، لأنهم مقيدون بالأشياء العابرة كتصميم تفصيل ما، أشياء يمكن في الواقع استبدالها بحياة المنزل. كذلك، ربما قادته رسومات ستاندال إلى دراسة النماذج المعمارية والمبادىء الأساسية للنموذجية في العمارة. وقد كان من الاستثنائي أن يبدأ رحلته الأكاديمية كأستاذ بإعطاء دروس عن المبادىء الوظيفية للأبنية، وهو موضوع تم الاستغناء عنه في البرامج الحالية وقد بدا له كإطار للمسارات والأبعاد، كشبح أو هيكل للعمارة، بحيث أضحى المسطح casino online المعماري حالة مادية، كما عندما يمر المرء في أوستيا أو في أية مدينة أخرى بحيث تبدو الأشكال الممسوحة واضحة. قد يبدو ذلك وهماً في البدء، ولكن سرعان ما نعود لنركب في ذهننا العمارة، فيظهر لنا ما كان باباً أو غرفة أو ممراً في حياة سابقة. يقال إنه في الماضي كان على كل من يريد بناء منزل في إشبيلية أن يعطي المعماري أو البناء قياسات الفناء الداخلي، ويطلب منه أن ينظم مجموعة من الغرف حوله، لكن يبدو له هذا مرتبطاً بمفهوم الحرية والخيال، إذ إن هناك بضعة أشياء يجب تحديدها دون أخطاء، وهذا ما يشكل معنى المبنى. يقول المؤلف إن الهدف من هذه الملاحظات ليس الوصول إلى مفاهيم حتمية في التعليم المعماري، لأن طريقة التعليم مهمة أيضاً، لكن من المؤكد أنه لا يمكن تصور بعض الأشياء إن لم تكن مرتبطة بالمشاعر التي أحسسناها عندما رأيناها لأول مرة. إنها وقائع مهمة جداً بالنسبة له، خصوصاً من الناحية الشكلية التي يصعب التعبير عنها.

للمقابر تقاليدها

له مع المقابر علاقة خاصة، ثمة واحدة في لشبونة يطلق عليها اسم مقبرة الملذات، ولم يستطع أحد أن يشرح له أصول هذه التسمية. أما في أميركا فتوجد مقابر تمتد على مدى الحدائق العامة والضواحي. وكما لأماكن الحياة فلأماكن الموت تقاليد وأشكال مختلفة، لكن نادراً ما نعي الحدود بين هاتين الحالتين. ويشير إن كان ليعيد تصميم هذا المشروع، ربما أعاد صياغته بالشكل ذاته، وربما فعل الشيء نفسه مع كل مشاريعه الماضية. لكن من الصحيح أيضاً القول إن كل الذي حصل أصبح من الماضي، ومن الصعب التفكير بأن الأشياء قد تتكرر بشكل آخر. مع هذا المشروع، توسعت تأملاته المعمارية، وبدا له تدريجياً أنه من السهل استيعاب الزمن البعيد، وأنه يمكنه أن يتعرّف في رسمة أو في قصة ما، إلى الخيوط التي تربط بين التحليل والتعبير.

أنجز روسّي كتابه المهم “عمارة المدينة” في العام 1960 وهو كتاب يعتبر مرجعاً في حقله، ولم يكن قد بلغ الثلاثين من عمره. أراد أن يضع كتاباً نهائياً. وكان يبدو له أن كل شيء عند توضيحه، يمكن تحديده. كذلك كان يعتقد بأن اطروحات عصر النهضة يمكن أن تصبح جهازاً يتم ترجمته في الأشياء. كان يسخر من الذكريات ولكن في الوقت نفسه كان يستعمل مفهوم الانطباعات المدنية، فيبحث وراء المشاعر عن القوانين الثابتة لتيبولوجيا تتخطى الزمن. رأى الدور الداخلية والأروقة وعناصر المورفولوجيا المدنية موزعة في المدينة بنقاوة علم المعادن. كان يقرأ كتباً عن الجغرافيا المدنية والطباعة والتاريخ المدني، مثل جنرال في الجيش يحاول معرفة كل الساحات الممكنة للمعركة في المناطق المرتفعة والممرات والغابات. كان يمشي في مدن أوروبا ليفهم مخططاتها وليعيد تنظيمها في أطر محددة بحسب النماذج، وكالعاشق الأناني كان في معظم الأحيان يتجاهل مشاعره الخفية تجاه المدن، مكتفياً بدراسة أنظمتها، وكأنه يود التحرر منها.

اللقى غير المنظورة

في كتابه عمارة المدينة، تحدث عن مدن الأندلس وعن الحمراء في غرناطة، التي تشكل نماذج لعمارة تتحول مع الزمن، عمارة تعرف معنى المساحات الواسعة والحلول المرهفة، والتي تتشكل منها المدينة. أصبح يدرك الآن أن هذه الانطباعات تنعكس في أعماله، فتضاعفت العلاقات التشابهية والترابط بين الأشياء والحالات خلال إقامته في الأندلس إلى درجة أن صور المنزل الاشبيلي صارت تظهر في أماكن أخرى، خالطة بين السيرة الذاتية والتاريخ المدني. لطالما أحب ورسم تيبولوجيا الحظيرة في أعماله، حيث كان الفناء محور الحياة في المنازل القديمة في ميلانو وكانت تشكل أيضاً شكل المزرعة التي تعود إلى الفيلا في المناطق الزراعية في أواخر العهد الروماني.

روسّي المؤلف لا يسرد هنا سيرته بقدر ما يحاول أن يؤكد أن المبنى، أو العمارة، هي العنصر الأساسي الذي يغذي الحياة. هذه الفكرة التي يعود اليها دائماً في محاضراته، بدت واضحة له من خلال عدد من المكونات المدنية في إشبيلية، خصوصاً المخيمات الكبرى في فصل الصيف، المرصوفة بدقة مثل المدن الرومانية، والمقسمة إلى أجزاء للمنازل الصغيرة. ولطالما اعتقد أنه في الحياة كما في العمارة، عندما نبحث عن شيء ما لا نجد فقط ما كنا نبحث عنه، ففي كل بحث هنالك درجة من غير المنظور، كشعور غريب في النهاية. لذلك فعلى المعماري أن يحضر أدواته بتواضع التقني، فهي أدوات عملية يمكنه أن يراها جزئياً أو يتخيلها، بالرغم من معرفته بأن الأداة ذاتها يمكن أن تشير إلى العملية أو تحفزها. يحب بنوع خاص المسارح الخالية من الناس، بضوئها الخافت، خصوصاً خلال فترات التمارين حين تكرر الأصوات النغم ذاته، تقطّعه، تعيده بعيداً عن الحركة. وبالطريقة ذاتها، تلهمه عمليات التكرار في مشاريعه، والتلصيق الفني ونقل بعض العناصر من تصميم إلى آخر، أمام مشروع آخر يرغب في المباشرة فيه ولكنه أيضاً يحمل في طياته ذكرى شيء آخر. لهذه الأسباب تشكل المدن، وان دامت مئات السنين.

لقد فكر المؤلف في استعمال هذا الكتاب لتقويم مشاريعه وكتاباته بشكل كتابة روائية متواصلة، من أجل فهمها وشرحها بطريقة أفضل، وفي الوقت عينه إعادة تصميمها، لكنه يرى الآن، وبعد الكتابة عن كل شي هذه الأشياء، أنه وصل إلى مشروع آخر يحتوي على أشياء لا يمكن التنبؤ بها ولم تكن منظورة. لطالما أحب الأشياء التي تصل الى نهاية. وإن كل اختبار يصل بالنسبة له الى نتيجة محددة. فقد أحس انه يصنع شيئاً يستهلك قدراته الإبداعية بشكل تام، لكن إمكانية الخلاصة هذه لطالما أفلتت منه، حتى لو شكلت السيرة الذاتية أو إعادة تنظيم أعماله فرصة لتحديد الأشياء. هناك ذكريات محددة ودوافع أخرى دخلت في الصورة، وعدّلت المشروع الأساسي الذي يبقى عزيزاً عليه. هكذا، قد يكون هذا الكتاب مجرد تاريخ لمشروع، وككل مشروع، عليه أن يصل الى خلاصة ما، حتى لو كان هذا الحافز هو إعادة تكراره مع تعديلات بسيطة، أو إعادة ترتيبه، أو استيعابه ضمن مشاريع وأماكن وتقنيات جديدة وأشكال أخرى قد لا نلتقط سوى جزء بسيط منها في الحياة.

المصدر: جريدة الإتحاد

Previous Story

كتاب عن الكتب

Next Story

الجوز: يقلل من مخاطر الاصابة بامراض القلب، السرطان والسكر

Latest from Blog