كوبا

142 views
37 mins read
نظرة أولى وأخيرة على جزيرة كاسترو قبل تحولاتها المرتقبة
كوبا.. التمساح الثوري

لا يدري المؤلف عبد الحسين شعبان كيف استعاد هتافاً ردده مع نفسه وهو يترجل من الطائرة التي حملته من باريس الى هافانا، كان قد ردده من قبل كريستوفر كولومبس عندما كانت سفينته “سانتا ماريا” عند الشواطئ الكوبية في 27 أكتوبر عام 1492 فهتف: “يا الله ما أجمل هذه الأرض!”.

يذكر شعبان في كتابه “كوبا الحلم الغامض” كيف انتقل بالطائرة من قارة أوروبا الى قارة أميركا، مجتازة المحيط الأطلسي برمته، وهو البحر الذي كان المؤرخون والرحّالة العرب يسمونه بحر الظلمات. يومها حسب كولومبس أنه وصل إلى إحدى جزر الهند باستخدامه المتوافر من علوم عصره، بما فيها علوم العرب الجغرافية والفلكية، حول مدار الأرض، لكنه كما اتضح أن هذا المدار أطول بكثير مما كان يُقدّر، وأن عالماً فسيحاً يمتد إلى أقاصي الغرب مازال ينتظره إن أراد الوصول إلى مبتغاه.

لقد كانت المحطة الكوبية، بالنسبة إلى كولومبوس هي المفتاح الأول للعالم الجديد، الذي مثّل اكتشافه دهشة جديدة على المستويات العلمية والاجتماعية والاقتصادية، ومنذ ذلك التاريخ سيستخدمه القراصنة طريقاً لتجارة الرقيق من قارة افريقيا الى قارة أميركا الشمالية والجنوبية.

وإذا أمعنا النظر في خريطة كوبا الجغرافية، فهي بنظر المؤلف أقرب الى تمساح عائم وسط البحر ذنبه يقترب من شواطئ فلوريدا، أما رأسه فيتجه إلى الأعلى ليقترب بأنفه من سواحل هاييتي، ويطلّ من فوق جزيرة جامايكا. ويطوّق جزيرة كوبا التي تبلغ مساحتها 11860 كم2 ساحل، يبلغ امتداده نحو خمسة آلاف كيلومتر، محاط من شماله بعدّة جزر صغيرة، تكاد تشكّل سياجاً للجزيرة، أو أرخبيلاً من جزر يضم نحو 13 خليجاً، ويبلغ عدد سكان الجزيرة 11 مليوناً غالبيتهم من أصول إسبانية، لا سيّما بعد إبادة السكان الأصليين، كما أن اللون الأسمر يعكس التركيب متعدد لأصول الكوبيين، الذين خضعوا للاستعمار الإسباني لقرون.

 

يقول المؤلف: بعد شوق طويل ومتابعة مضنية وقلق عميق على التجربة الكوبية، جاء الوقت لكي أشد الرحال إلى كوبا، وكنت أحسب ان الرحلة تأخرت أكثر مما ينبغي، وكنت أستحث على الزيارة، مستحضراً علاقتي مع زملاء وأصدقاء كوبيين قدامى وجدد.

بعد مرض فيدل كاسترو، شعرت بأن الأوان قد آن لتحقيق الزيارة، وذلك لكي أطلّع على التجربة ميدانياً على الأرض قبل أن يطرأ عليها أي تغيير، ولكي أكوّن الصورة الواقعية قبل التغيير لا بعده، فضلاً عن تلمّسي حجم التحديات المباشرة وغير المباشرة التي تواجهها كوبا، إلا أن رؤية التجربة من الداخل تختلف عن رؤيتها من الخارج، ولن يكون ذلك واقعياً وقريباً من الحقيقة بعد رحيل الرجل.

ويعبر المؤلف عن مخاوفه من تلك الرحلة بسبب ما كانت تنقله وسائل الإعلام، لا سيّما غير المشجعة للتجربة الكوبية، فضلاً عن بعض القراءات والانطباعات الشخصية ورؤيته النقدية الخاصة بشأن التجربة الاشتراكية بشكل عام، وهو الذي عاش سنوات في براغ وزار معظم البلدان الاشتراكية، ولذلك يقول: كنت أدرك أن انهيار المنظومة الاشتراكية، الذي شاهدناه، والذي حضرت فصله الأخير بمحض المصادفة في تشيكوسلوفاكيا وبرلين، إنما كان موضوعياً قد حُفرت أساساته منذ وقت طويل، وحسب سارتر كانت البلدان الاشتراكية تبدو من الخارج قلاعاً محصّنة، لكنها خاوية من الداخل، الأمر الذي أدّى الى انهيارها المدويّ.

يعرض المؤلف كيف ان التجربة الاشتراكية الكوبية تختلف عن غيرها من التجارب، لكنها من حيث الجوهر اتخذت الطريق الذي سلكته معظم البلدان الاشتراكية، من توجهات وخطط وبرامج، ومازاد في معاناة السكان هناك هو الحصار الأميركي الذي استمر منذ خمسة عقود من الزمان، والذي فرض نفسه بقوة على التجربة وعلى الإنسان. وبالقدر الذي كان المواطن الكوبي يسمع خطابات قيادته عن الرفاهية والسعادة والوفرة المادية، كان يعيش حياة فقر وفاقة وقهر.

ويتابع انه بالرغم من أن الكوبيين صبروا طويلاً وتحمّلوا كثيراً فلا يزال أمامهم الكثير، وليس هناك حتى الآن، مع استمرار الحصار الأميركي، وسائل واقعية ومقنعة لإنهاء معاناتهم، أو التخفيف منها، وحتى الآن لم تتبلور بعد حلول ممكنة تأخذ، بعين الاعتبار، قدرة الإنسان على التحمّل، وتبتدع أساليب جديدة للموازنة بين مشاعل الأمل بحياة سعيدة ومرفهة وحريات وافرة وتقدم اجتماعي وانساني في إطار عملية تنمية شاملة، وبين بؤس الواقع وشحّ المواد الضرورية وضيق اليد. ويلاحظ المؤلف انه بالرغم من المعاناة والمصاعب فقد حقق الكوبي نهضة كبيرة في ميادين محو الأمية والتعليم والطب والرياضة وغيرها، لكن ذلك وحده غير كاف، إذا ما عرفنا حاجات الإنسان المادية والروحية، لا سيما ضرورات إشاعة الحريات، ودخول عالم الحداثة والتنمية، خصوصاً في ظل العولمة وما بعدها. وبناء عليه حاول المؤلف إظهار خصوصية التجربة الكوبية، وإرهاصاتها الأولى، بعد انتصار الثورة، وخصوصاً تسليط الضوء على شخصية أحد رموزها الكبار، وهو أرنستو تشي جيفارا، الذي جمع بين ما هو فكري وما هو عملي، بين ما هو سياسي وما هو ثقافي، بين ما هو كوبي وما هو أميركي لاتيني، وبالقدر نفسه ما هو اشتراكي وما هو إنساني. ولم يتوقف المؤلف عند الصورة النمطية، بل سعى لنقد التجربة من داخلها، من خلال الحرص والمسؤولية، مضيئاً على إيجابياتها وسلبياتها، متابعاً رمزيتها الخاصة ورؤيتها الجدلية إزاء الاشتراكية المستنسخة، التي حاول جيفارا رفضها. لقد توقف المؤلف عند الحياة السوسيوثقافية الكوبية من خلال الروائي الأميركي أرنست همنغواي، كما حاول استذكار ما بين الجواهري وهمنغواي، ثم عرج على علاقة كاسترو بالزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. كذلك توقف عند انهيار أنظمة أوروبا الشرقية وهواجس عدن “عاصمة اليمن الجنوبية سابقا” وقلق هافانا، وفيما بعد اختلاف المسارات بالرغم من التحديات المشتركة، ولم يكتف بذلك بل حاول أن يعرج على علاقة الثقافة بالسياسة المعادلة القاسية، من خلال إظهار العلاقة المتميزة لكاسترو بغابريل غارسيا ماركيز. وأشار في الفقرة الأخيرة التي اختتم بها الكتاب، إلى أن كوبا واجهت سبعة حروب، ولعل آخرها الحرية والحداثة، وفي ذلك سيكون اختيارها الأهم واختيارها الأصعب.

لقد كان الشعر حاضراً مع المؤلف برمزيته خلال كتابة حلقاته التي تألف منها الكتاب، فحاول أن يوظفه كلما كان ذلك ممكناً بمقطوعات حسب أنها ستلطّف جو المتلقي وهو يقرأ ما في الواقع الاغترابي بكل مرارته وتطرفاته، متطلعاً الى جنة حقيقية حيث السعادة والحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية.

الكتاب: كوبا

المؤلف: عبد الحسين شعبان

الناشر: دار الفارابي

المصدر: جريدة الإتحاد – عماد جانبيه 

 

Previous Story

“ستاندرد اند بورز” تلمح لخفض تصنيف ديون الاتحاد الأوروبي

Next Story

جمعية Women`s League تكرّم الدكتورة سلوى غدار يونس

Latest from Blog