علم النفس الأدبي

179 views
37 mins read

“علم النفس الأدبي مع نصوص تطبيقية” كتاب جديد للدكتور إبراهيم فضل الله صادر عن دار الفارابي، يجيب فيه عن سؤال أساسي هو: كيف يشغل الفن وضعية عبور مؤقت تعبّر عن حيّز من الوهم؟

يقول المؤلف إن السحر والإغواء لكل عمل فني يقومان بتأثير يقضي بتعطيل عمل الكبت، وتحويل اتجاه المرور الى الوعي بالمقارنة بذلك الاتجاه الموصوف بحالة الجرم، والمعاقب بالممنوع، والذي يشكّل العوارض على الرغم من أنه ينظّم القضاء الجمالي بصفته حلاً مؤقتاً لمسائل يطرحها الوضع الإنساني بين الحل الفردي المنجز والمتعلق بالعصاب، وبين الحل الجماعي والمتسامي مع الدين.

إن الفن المضمار الوحيد الذي تبقى فيه كلية قدرة الأفكار قائمة الى يومنا هذا، وفي الفن وحده يتفق للإنسان الذي تقض الرغائب مضجعه أن يفعل شيئاً يشبه الإشباع، وبفضل الوهم الفني تؤتى هذه اللعبة المفاعيل الوجدانية عينها التي كانت ستأتي فيما لوكان الأمر حقيقياً، لقد تكلم عن سحر الفنّ، وأن نقارن بين الفنان والساحر، ويعتبر فرويد أن الفن لم يبدأ فناً للفن، وإنما كان يعمل في بادئ أمره في خدمة ميول زالت اليوم وانطفأ معظمها. وينتقل المؤلف ايضاً الى الفن الأدبي، فيذكر المواضيع الاستيهامية ذات الاتجاه الجمالي التي تكون موجودة في الوعي، وما قبل الوعي، ومن ثم يتم فرزها وإبرازها، وهي ليست قابعة في العزلة الخاصة بأحلام اليقظة، وذلك لا يعني أنها تتحاشى التصور النرجسي الخاص بهذا النوع من التشكلات، وهي لا تغيب عن الشخص حتى يعثر عليها مرة ثانية، وهي ذات قيمة مثيرة للإعجاب من قبل الآخر الذي يضمها الى حسابه ويدخلها نرجسيته كقارئ، وهنا المصادفة مثال الأنا، ثم يظهر توظيف الإنتاج الجمالي على هيئة نرجسية مزدوجة، وأبرز ما يعبّر عن أهمية النرجسية الصورة الاستيهامية التي ترسخ في البنية الذهنية الفردية، وهي الرجوع الى حضن الأم، وهذه الصورة هي التي تسم الوضعية النرجسية.

ويتحدث المؤلف عن كيف تتحول الرغبة في الشيء الى شيء آخر عندما يخسر الشخص اللذة التي يجنيها من هذه الرغبة، ومثال على ذلك تبادل الهدف الجنسي مقابل هدف متسام، والنرجسية تكسب الجولة جزئياً حين تكون البنية النرجسية خاضعة للآخر، وبهذا الخصوص تستحق مواضيع الإبداع الفني صفة ما تتعدى النرجسي، ويحصل ذلك عندما يتم تفعيل التواصل بين نرجسية المنتج، ونرجسية المستهلك من خلال العمل الأدبي.

وفي رأيه تعتبر حوافز الإبداع محسوبة على آلية الدفاع، أو على تشكل التسوية على اللذة النرجسية، أو على تسام ناجح على الانتصار على الاستقلالية المنتجة ضد الأب، أو الخضوع له، أو على الالتجاء الى حضن الأم، أو الانتقام منهما، ويعتبر التحليل النفسي أن الفنان والعصابي يحلمان لكن أحلام العصابي هي أحلام في الهواء، أما الفنان فهو القادر على تحقيق حلمه وجعله حقيقة، لكنّها حقيقة من نوع آخر، حقيقة جمالية، فالتجربة الجمالية تعتمد على الشكل أكثر منها على المضمون، والفنان والمستمتع بالجمال كلاهما يشحن الشيء الجميل نفسياً، ويطلق شحنة نفسية، بمعنى يصرفها، وهو عمل لذيذ في حد ذاته، والفنان وهو يبدع يصرّف الطاقة بعد الطاقة، وكذلك المستمتع في تصوره للعمل الفني واستمتاعه به يخلص نفسه من الكثير من التوترات ويستعيد توازنه.

ويذكر المؤلف كيف يعود التشابه بين الحلم والعمل الإبداعي الى كونهما ينبعان من مخزون اللاشعور، وبما أن الحلم هو بالضرورة حامل لرغبات اللاشعور فالأمر ينسحب على الأثر الفني الذي هو الآخر بالضرورة حامل لمعان، ودلالات عميقة، ومشاعر، وتناقضات، وصراعات خفية، وغالباً ما تتستر هذه التناقضات التي تختزن العمل الفني وراء مكونات، وتركيبات، وأقنعة ظاهرة خارجية، وتكون علاقتها بالداخل الخفي كعلاقة الوعي والإدراك باللاوعي والتخيّل أو الحلم. كما يتناول مدارس التحليل النفسي بالفن عموماً، وببعض العلوم كالعلوم اللغوية واللسانية، وعلم النفس الاجتماعي…، ولكنه خصص القسم الأكبر من هذه الدراسة لعلاقة التحليل النفسي بعلم الأدب.

ويستعرض الكتاب مدارس التحليل النفسي الأدبي، ويضع الحدود الفاصلة بينها من أجل إزالة الإبهام والفوضى اللذين تعيشهما تلك المدارس بسبب سؤ معالجتها من بعض المؤلفات التي دخلت هذا المجال، لأنها تناولت قضايا التحليل النفسي للأدب بطريقة مشوّهة، أو منقوصة، إذاً أحسنا النظر اليها!

انه كتاب غني لكل راغب في التعرّف الى قضايا التحليل النفسي الأدبي، وهو ضرورة لكل طالب معرفة لما تضمنه من تفسيرات، وشروحات لا تتوافر في غيره من المراجع المختصة، وهو يسد حاجة ملحّة للطالب والباحث كليهما من شمول، وسعة، وتحديد واضح بين المدارس، تمكّن الباحث من الاعتماد عليه في الشرح والتفسير، ومن أجل تعميم الفائدة فاعتمد المؤلف في تأليفه على لغة سهلة ميسّرة، وحاول قدر الإمكان الابتعاد عم المصطلحات المعقدة عبر تبسيط مضمونها مع الحفاظ على دلالاتها، كما اعتمد منهجية الأبواب في تبويبه، ولهذا عالج الباب الأول منه مبادىء التحليل النفسي الذي دخل مختلف الفنون، والعلوم الإنسانية منذ ابتداعه على يدي فرويد، وتطوره على أيدي تلامذته، وأتباعه، والباحثين في ميادين هذا العلم، وتنوعت قضايا النفس ودواخلها، بين طيّات المؤلفات، وتفرعت المدارس، والمناهج التي أبحرت في التحليل النفسي.

رأى المؤلف قبل الخوض في دراسة الأسس، والمناهج، والمصطلحات التي قامت عليها المدارس النفسية أن نتوقف من أجل استعراض المبادىء التي يرتكز عليها التحليل النفسي، وشرح وتفسير بعض المصطلحات النفسية التي لها علاقة بالتحليل الأدبي، والتي يكثر تردادها من دون المعرفة الشاملة والدقيقة لمعانيها، أو من دون القدرة على التمييز بين مضامينها، ومعرفة الحدود الفاصلة بينها، فشرح مصطلحات فرويد في الشعور، وما قبل الشعور، واللاشعور إضافة الى الهو، والأنا والأنا الأعلى… وشرح إضافة الى كل ما تقدم مصطلحات يونغ في الأنماط الأولية، اللاشعور الجمعي، والقناع، والظل…

درس هذا الباب نظريات التحليل النفسي التي كان له التأثير المباشر، أو غير المباشر في نظرية الأدب والنقد الأدبي، وهو في ثلاثة فصول استعرض الفصل الأول أهم المبادىء التي قام عليها التحليل النفسي الفرويدي، واستعرض الفصل الثاني أهم المبادىء التي قام عليها التحليل النفسي من أدلر الى يونغ ورانك أوتو… ودرس الفصل الثالث العلاقة التي تربط علم النفس ببعض العلوم الأخرى ومنها علم الاجتماع، ودرس في الباب الثاني التحليل النفسي الأدبي في فصلين عالج الفصل الأول منهما، قضايا مدرسة التحليل النفسي الأدبي الذي اعتبر أن النص يمتلك لا وعياً خاصاً به.

Previous Story

“صندوق القلب الشجاع” لإنقاذ حياة قلوب صغيرة

Next Story

رأفةً بالشعب الفقير

Latest from Blog