العاصي

202 views
11 mins read

مازال نهر العاصي يجري، وهو عاص، قلّ ماؤه أو زاد، مازال يدندن أغنية قديمة حفظها من خبرة الحياة وادرك منتهاها. اراني أهمس اليه، توقف لحظة دعنا نتسامر… فأسمع الإجابة خريراً… ولكنه نهر العاصي، والماء يحفر الصخر الأصم..! وتقول موجاته ضغط النهر وقوة جريانه، بحضور محارب. فهو كما منذ آلاف السنين، مرعب مخيف، سنوات في تقدّم ولا تأخر في شهادة ميلاده، وحسن سلوكه، وسيرته الذاتية…

نهر العاصي الذي نعجز أن ننجز له ورقة قيد نقرأ فيها تاريخ الولادة… أو العمر الإفتراضي له… ما زال يجري بيد أن هناك كماً من الأوراق التي تحوي بدء ولادة سد. هذا النهر الذي تولد قطراته من مغارة مار مارون، ويقطع الأميال عابراً الفيافي والحقول، لتنتهي به المسافة الى البحر يضرب مثلاً في الهجرة والتجوال، وتوحيد الشعوب، ولم ينم يوماً، ولو قدّر له الكلام لروى قصصاً عن الحب والعذاب، وذكر امنيات مات دونها mobile gambling أصحابها وردد اسماء، نعجز عن ان نحصيها، ولضاقت كل الحواسيب عن استيعابها، وما زال يجري…

انني معجب بك أيها النهر… قوّي كشمشوم الجبار وأشد! هل لي أن احمل معي كأس ماء من عذب مائك… واشربها اثناء بعدي عنك؟ ولكن كم من كؤوس أحتاج؟ ولكني  سأبقى ابن العاصي وان شربت من نهر بيروت أو سواه…

أصحيح أن نهر العاصي موصوف للذكورة؟ أم انها أسطورة لفّقها من سمعوا بالعاصي، ولم يسعفهم حظهم ان يشربوا من مائه؟ وادعوها علاجاً!

ارى ان عشقنا لك قد حوّلنا الى أطفال رضّع، نبكي ان لم يسعفنا حليب الأمهات.

ايها النهر… ياصديق العمر… دعني القي عليك السلام مفتخراً بأنك كريم اكثر منا. فأنت تمر بمدن شتى تسقي بلاداً ومناطق… لا تنظر الى الى طبائع البشر… الغني والفقير، الكريم والبخيل… فما حجبت يوماً كأس ماء عن أحد، ولا فكرت بقطع رزق ارض تعتاش على مائك…

سلاماً أيها النهر، وإعلم انّا نحملك في داخلنا، وتجري في دمائنا، فهل لي أن اودعك امانة؟ هلا ابقيت لي حصتي القليلة من مائك ان طال الغياب؟ ان يغسلني ماؤك ان غاب العمر!

أظنك لا تبخل …

ولكن هل يفعلها كل من عرفك من البشر؟!

Previous Story

هبة من القوة الإيطالية الى الصليب الأحمر فرع صور

Next Story

الكتابة بالإزميل…

Latest from Blog