وجهة نظر أخرى في اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتداعياتها… افتراضات سياسية وتقنية

189 views
34 mins read

يدخل الكاتب اللبناني نضال حمادة في كتابه “صناعة شهود الزور/ بيروت ـ باريس ـ تل أبيب” في قضية شائكة، هي قضية اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في بروت يوم 14 فبراير 2005. ومنذ ذلك الوقت لا تزال القضية تخضع لتحقيقات دولية مكثفة، تداخلت فيها عوامل كثيرة منها ما أطلق عليه تسمية “شهود الزور” وهم مجموعة من الأشخاص أدولا بمعلومات أما لجنة التخقيق الدولية، بنت عليها تحقيقاتها في المراحل الأولى، ومن ثم أقرت فيما بعد بعدم صدقية شهاداتهم.

ينطلق المؤلف من فرضية يسعى إلى إثباتها، وهي ضلوع جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) في عملية الاغتيال. وهو يسلط الضوء على أدوار سابقة شبيهة اضطلع بها، انطلاقاً من مركز ثقله في العاصمة الفرنسية. ويعيد السبب في ذلك إلى الاعتراف المبكر من جانب الفرنسيين بمنظمة التحرير الفلسطينية ما جعل الكثيرين من مسؤولي المنظمة يترددون إلى باريس، التي تحولت بفعل هذه الأمور الى مركز عملياتي مهم لأجهزة الموساد التي نفذت فيها أكثر من عملية اغتيال، كان آخرها عاطف بسيسو المسؤول عن الارتباط بين أمن المنظمة وأجهزة المخابرات الغربية. كانت عملية اغتيال بسيسو النقطة التي فاض من جرائها الكوب الفرنسي، لذلك يصف المؤلف كيف ردت أجهزة الأمن الفرنسية على الموساد عبر كشف جهاز التنصت الذي وضعه المدعو عدنان ياسين في كرسي محمود عباس في مكتبه في تونس. وكان ياسين يحمل صفة رئيس شعبة في سفارة فلسطين في تونس.

وينقل المؤلف قول للمدير السابق لجهاز مكافحة التجسس في فرنسا إيف بونيه هو إن آخر عهد للموساد الإسرائيلي بتنفيذ الإغتيالات في فرنسا كانت عملية اغتيال عاطف بسيسو في الثامن من شهر حزيران 1992 أمام فندق الميريديان في الدائرة 14 في العاصمة الفرنسية باريس. ويؤكد بونيه أنه هو الذي أبلغ الإسرائيليين أن فرنسا لم تعد تتحمل، ولن تقبل بعد الآن أية عملية اغتيال فوق أراضيها. وهذا التحذير لم يزل سارياً حتى اليوم

غير أن توقف الموساد عن الاغتيالات في فرنسا لم يمنعه من الاستمرار في العمل الاستخباري واللوجستي اعتماداً على الجالية اليهودية الكبيرة والنافذة في بلاد الفرنسيس، وقد ازدادت أهمية باريس بالنسبة للموساد بعيد اجتياح لبنان وظهور “حزب الله” على الساحة كقوة أساس على صعيد المقاومة، استطاعت عبر سنوات طويلة من القتال تحرير الجنوب اللبناني وطرد الجيش الإسرائيلي منه. وتكمن أهمية باريس هنا كون لبنان بلداً فرانكوفونياً فيه الكثير من اللبنانيين المعارضين لحزب الله، كما يوجد فيه طائفة كبيرة من الشيعة الذين يقومون بإرسال أولادهم إلى فرنسا لتحصيل التعليم الجامعي، وذلك بسبب مجانية التعليم في فرنسا وبسبب الظروف الصعبة للشيعة نظراً للحروب التي طالت مناطقهم خلال العقود الماضية.

 

إذن كما وذكر المؤلف في وصفه، عادت فرنسا لتكون محطة أمنية للموساد الذي ينشط فيها بشكل كبير، خصوصاً بالنسبة الى اللبنانيين، وهذا يتعلّق بصراع إسرائيل المرير مع “حزب الله”. لقد استفاد الموساد الإسرائيلي من الإنقسام الداخلي اللبناني ليدخل على خط خصوم حزب الله في الخارج كما في الداخل. وفي هذا المجال ينقل عن أكاديمي عربي يعمل في مجال العلوم السياسية إن وجود غالبية جنود لحد السابقين هناك، نقطة تحتسب لصالح الموساد في فرنسا. ويفصّل هنا كيف كانت سنوات شيراك الأخيرة نقطة ارتكاز أساسية لدخول الموساد مباشرة على خط المقيمين في فرنسا من اللبنانيين المعارضين لسوريا والمنادين بخصومة “حزب الله”، وهو ما يوظفه المؤلف في إطار توجيه عمل لجنة التحقيق الدولية، من خلال شهود الزور.

ويستند في هذا الإستنتاج إلى أنه يمكن للفرنسي اليهودي في بلاده أن يخدم في صفوف الجيش الإسرائيلي، كما أنه يمكن للفرنسي الذي يخدم في الجيش الإسرائيلي أن يعفى من الخدمة العسكرية عندما كانت الزامية في فرنسا. كما ان المتطرفين اليهود المقيمين قد انشأوا معسكرات تدريب في بعض المناطق الفرنسية لتعليم أولادهم استعمال السلاح؛ ولقد وجدت حالات في مدن فرنسية غادرها شبان يهود فرنسيون للقتال في لبنان، ومنهم من لم يعد ودفن في إسرائيل، وتم التكتم على أمر هؤلاء من قبل السلطات الرسمية الفرنسية ومن الجالية اليهودية في فرنسا.

كما يستند المؤلف أيضاً إلى قول للمدير السابق لجهاز مكافحة التجسس في فرنسا، جاء فيه: إذا اردت ان تعرف مرتكب أي جريمة، انظر في البداية من هو المستفيد منها. وفي حالة اغتيال كتلك التي ضربت الرئيس رفيق الحريري لا شك أن نتيجة العملية صبّت في مجملها في مصلحة اسرائيل واميركا اللتين كانتا تناديان بانسحاب سوريا من لبنان، وبنزع سلاح حزب الله. وينقل المؤلف عن المسؤول الأمني الفرنسي في حديثه الخاص إن الأمر الذي يثير استغرابه كرجل أمن هو كيفية تعطيل نظام الحماية الإلكتروني الذي كان يتمتع به الرئيس الحريري. وبناء عليه يقول: إن الجهة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تملك تقنيات تعطيل هذا النظام هي إسرائيل ومن خلفها أميركا لأنها الجهة التي تنتج هذا النظام وتمتلك، بالتالي، قدرة تعطيله.

ويقول آلان كورفيس العقيد السابق في الجيش الفرنسي والذي خدم في الملحقية العسكرية الفرنسية في بيروت: إنّ الأمر محيّر كيف يمكن لعملية تفجير بدائية أن تعطّل نظام حراسة الرئيس الحريري الموجّه عبر الأقمار الصناعية؟

ويشير المؤلف إلى ان الرئيس الحريري كان محمياً بنظام حراسة مماثل لنظام حراسة رئيس الولايات المتحدة الأميركية، وذلك بواسطة نظام رقابة عن طريق قمر صناعي يستعمل تقنية (جي بي آس) (جلوبال بوزيشن سيستم)، بحيث أنّ نقاط انطلاق والوصول كانت تنقل عبر الإنترنت قبل إنطلاق الموكب بواسطة علامات رمزية محمية للغاية إلى قاعدة في قبرص، فتنقل هذه إحداثيات خط السير إلى القمر الصناعي الراصد الذي يقتفي أثر الموكب على الأرض ما يسمح بمراقبة مساحة قطرها الف متر. ويقول إن المحققين الدوليين يمتلكون صوراً لمسرح الجريمة بمحيط ألف متر التقطها القمر المراقب للموكب، وبالتالي فهم يمتلكون صوراً لسيارة الميتسوبيتشي المفخخة، وللشخص الذي كان يقودها. ولغاية الآن لم تتم الإجابة عن الخلل التقني، ولا عن هوية المفجر بالتحديد.

Previous Story

مجموعة من الأساطير أسست النظام اللبناني وتكاد تقوّضه… خرافات تحكم الواقع والخيال السياسي

Next Story

نداء إلى علماء النبات والحيوان…

Latest from Blog