كتاب يستعرض منجزات علماء النهضة الأوروبية بين أعوام 800 ـ 1100 للميلاد

169 views
69 mins read

الدفء المناخي يحتضن العلم والصناعة

يعرض د. أيوب أبو ديّة في كتابه “علماء النهضة الأوروبية” لكيفية إسهام الإنسان في خلق بيئة صناعية على سطح الأرض عبر تاريخه القديم والحديث، حيث اتخذ المستوطنات الدائمة مقراً له وقطع الأشجار لبناء السفن والمساكن، وأقام السدود وأنشأ المشاريع الزراعية وقنوات الري وغيرها، وذلك لسد احتياجات بقائه ورفاهيته في ظل ظروف طبيعية واجتماعية وسياسية واقتصادية قاسية.

ويشرح المؤلف أنه في العصور الوسطى تحديداً، تعرضت الأرض لفترة دفء مناخي نتيجة اشتداد ظاهرة النشاط الشمسي، وقد أطلق عليها فترة الدفء الرومانية (Roman Warm Period)، ثم دخلت الأرض بعد ذلك في “عصر جليدي مصغّر” استمر حتى مطلع القرن التاسع عشر، حينما بدأت ترتفع درجة الحرارة منذ ذلك الوقت واستمرت بوتيرة متصاعدة حتى يومنا هذا، مصحوبة بتلوث هائل أسهم في انطلاقة ظاهرة الانحباس الحراري التي تعانيها الكرة الأرضية اليوم وأدى إلى تغيرات مناخية عظيمة.

بدأ المؤلف من نحو عام 800 للميلاد، حيث تعرضت أوروبا بين القرنين التاسع والثاني عشر لفترة دفء مناخي أسهمت في زيادة الإنتاج الزراعي، نتيجة جفاف الكثير من المستنقعات على نحو لم يشهد تاريخ القارة الأوروبية له مثيلاً، إذ شهدت أوروبا بناء الكاتدرائيات الضخمة والكنائس العظيمة وذلك تعبيراً عن امتنان الأوروبيين للخيرات التي أغدق الله بها على عبيده والتي سمحت لأوروبا بالازدهار وتعاظم ثروتها.

نتيجة لانقضاء تلك الفترة المزدهرة من تاريخ أوروبا، ظهرت كاتدرائية شارتر (Charters) في فرنسا التي انطلقت منها مدرسة شارتر المشهورة فيما بعد، وكذلك ازدادت أعداد السكان في أوروبا ازدياداً كبيراً في تلك الفترة، حيث ظهرت نحو 1500 مدينة جديدة في أوروبا.

الماء والزراعة

ولا بد أن منسوب مياه البحار كان قد ارتفع نتيجة ذوبان الثلوج بسبب ظاهرة الدفء المناخي، الأمر الذي أدى إلى إغراق الكثير من السواحل التي انتشرت المدن عليها. مما دفع السكان إلى الهجرة والانتقال إلى مناطق أكثر أمناً واستقراراً. وربما كانت هذه العوامل، إلى جانب عدم استقرار الطقس في القرن الحادي عشر وهيمنة الكنيسة على مناحي الحياة المختلفة وغيرها من الأسباب، قد أدّت في النهاية إلى تحفيز نزوح الفرنج إلى الشرق في القرن الحادي عشر تحديداً.

ففي إنجلترا، مثلاً، انتشرت زراعة الكروم نتيجة تغير المناخ صوب الدفء، وكانت إنجلترا في تلك الفترة تُصدّر النبيذ إلى فرنسا، حيث تزدهر صناعة النبيذ اليوم؛ كما تطورت تكنولوجيا الزراعة وصناعة معدات الزراعة والأسلحة، فزادت الحاجة إلى حرق الحطب والفحم في صناعة المعدات المعدنية من خلال تكنولوجيا صهر خامات المعادن، الأمر الذي نجم عنه ضرر كبير للغابات، حيث فقدت فرنسا في تلك الحقبة نحو 50% من غاباتها خلال فترة الدفء المناخي.

ويشير المؤلف إلى أن فترة الدفء المناخي التي سيطرت على الكرة الأرضية لم تمنع دخول الأرض في فترات صقيع وبرودة شديدة بين فينة وأخرى، ودليل ذلك تجمد نهر النيل عام 829 للميلاد. وهذه الظاهرة نجدها تتكرر اليوم، حيث تعاني مناطق كثيرة في العالم من تدني درجة الحرارة بالرغم من ظاهرة الدفء المناخي المعاصرة.

ومهما يكن من أمر، فقد أدت التغيرات المناخية في ظل ظروف اجتماعية وسياسية مناسبة إلى صعود الحضارات واندثارها، فتجمد أجزاء من نهر النيل في عام 829 للميلاد كان إيذاناً بفترة تدني درجة الحرارة عالمياً؛ وقد تزامن ذلك الحدث مع انهيار حضارة المايا في أميركا الوسطى التي تقع على خط العرض نفسه تقريباً. ولكن، مع مطلع القرن العاشر بدأ العالم يشهد نتائج ارتفاع درجة الحرارة، فبدأ الثلج يذوب في المضيق الذي يفصل النرويج عن آيسلندا، فتم استيطان الفايكنغ في آيسلندا نحو ذلك التاريخ وخلال فترة الدفء المناخي تحديداً.

وعلى الرغم من استمرار فترة الدفء المناخي في القرن الحادي عشر، كانت درجة الحرارة في شتاء عام 1010 ـ 1011، على سبيل المثال، في منطقة البحر الأبيض المتوسط متدنية جداً. كذلك تعرضت أوروبا لبرد شديد وقارس خلال شتاء عام 1099 ـ 1100، وهو تاريخ يتزامن مع عام الحملة الصليبية الأولى، كما هو معروف، وقد انتشرت المجاعات في معظم أرجاء أوروبا.

ومهما يكن من أمر، ففي نهاية القرن الحادي عشر بدأ الطقس يميل إلى البرودة وحدثت أعاصير وفيضانات اجتاحت على إثرها الأمراض قارة أوروبا، فبدأ النزوح الشهير إلى الشرق الأوسط خلال حروب الفرنج في نهاية ذلك القرن.

مجاعات أوروبا

وخلال حروب الفرنج في الشرق تكررت المجاعات في أوروبا نتيجة الطقس السيئ بين عامي 1143 ـ 1145، كما حصلت مجاعة بسبب الجفاف، عام 1215، بحيث باع الناس أطفالهم كعبيد للحصول على غذاء؛ فيما ذكر بعض المؤرخين أن الكثير من الفقراء كانوا يأكلون لحاء الشجر والجيف في أيام المجاعة، وقد كانت الحروب في الشرق العربي على أشدها في تلك الفترة، إذ تزاحم المهاجرون إلى الشرق في القرن الثالث عشر حيث اشتدت البرودة ودمرت المحاصيل online casino الزراعية في أوروبا.

أما القرن الرابع عشر فقد كان سيئاً جداً على الأوروبيين، إذ هُزموا في الشرق شر هزيمة، وفي عام 1315 أدى استمرار هطل الأمطار إلى تدمير المحاصيل الزراعية وانتشار المجاعات، وكان شتاء عام 1322 عنيفاً بحيث عطل الملاحة في المنطقة بأسرها، وفي عام 1347 انتشر الطاعون وحصد أكثر من ثلثي سكان أوروبا.

إن اشتداد البرودة خلال القرن الخامس عشر يرتبط باكتشاف العالم الجديد والدوران حول رأس الرجاء الصالح، فمن الطبيعي في تلك الأجواء شديدة البرودة أن تستثار الهمم لاكتشاف العالم وبناء مستوطنات في أماكن أكثر دفئاً وخصباً من تلك المتوافرة آنذاك في أوروبا.

ونتساءل أيضاً عن النهضة الأوروبية وارتباطها بظاهرة الدفء المناخي أولاً، ثم محاولات النزوح إلى خارج أوروبا للاكتشاف والتوسع في ظل برودة شديدة تعرضت لها أوروبا والعالم في القرن الخامس عشر، فهل هي مصادفة أن تحط السفن الأوروبية في بحر الكاريبي، حيث الطقس الاستوائي الدافئ؟

بعد احتلال أميركا وإقامة المستوطنات فيها، بدأ الدفء المناخي النسبي يسود العالم مرة أخرى نحو عام 1520، واستمر كذلك حتى عام 1640، ثم عادت الدورة مرة أخرى حيث بدأ البرد يشتد منذ عام 1640؛ وقد سجلت أرقام قياسية لتدني درجة الحرارة بين عامي 1680 ـ 1700. وبلغت الموجة البادرة أوجها عام 1816 عندما لم يتمتع الأوروبيون بدفء الصيف، فتم الانتقال من الربيع إلى الخريف دون المرور بفصل الصيف.

وتشير بعض اللوحات الفنية التراثية إلى أن نهر التايمز في لندن كان يتجمد سنوياً في فترات متفاوتة، حيث كانت تقام “مهرجانات الجليد” فوقه، وبخاصة خلال السنوات الواقعة بين عامي 1680 ـ 1700، إذ كان الطقس شديد البرودة في أوروبا، كما كان خلال العقد الواقع بين عامي 1810 ـ 1820، وبخاصة في عام 1816 حيث لم ترَ أوروبا فصلاً للصيف في ذلك العام.

ويرجح العلماء أن تكون أسباب التغير المناخي في العصور الوسطى والحديثة (قبل القرن التاسع عشر) ناتجة عن تغيرات النشاطات الإشعاعية على سطح الشمس، وعن تغير مدار الأرض حول الشمس وحول نفسها. إذ يؤكد العلماء أن نتائج مراقبة شدة الإشعاع الشمسي عبر آلاف السنين تشير إلى تزايد شدة الطاقة الشمسية المنبعثة من الشمس عبر العصور، وهناك مؤشرات أيضاً على ضعف شدتها في بعض فترات، كفترة العصر الجليدي المصغّر التي تلت ارتفاع درجة حرارة الأرض خلال العصور الوسطى المظلمة.

دورة دفء

مع تقدم عقود القرن الثامن عشر، بدأت دورة جديدة من دورات الدفء المناخي تجتاح العالم استمرت حتى نهاية القرن التاسع عشر، تبعتها فترة باردة حتى عام 1925، ومنذ ذلك الوقت يتوقع بعض العلماء أن تستمر الدورة الدافئة حتى عام 2010، حيث يتوقع أن تعود بعد ذلك الدورة البادرة من جديد، كما حدث في مطلع عام 2010 في شمال الكرة الأرضية حيث تدنت درجة الحرارة إلى مستويات لم تصل إليها منذ 30 ـ 40 سنة. وفي بعض مناطق اسكتلندا تدنت الحرارة إلى نحو 24 درجة تحت الصفر مقتربة بذلك من درحات الحرارة في القطب الشمالي.

ويتوقع العلماء أيضاً أنه ربما تمتد فترة البرودة إلى عام 2110؛ ولكن ذلك لا يعني أن البرودة ستشتد كثيراً، لأن تلوث الأرض قد رفع من درجة حرارة هذا الكوكب، ومن المتوقع أن يستمر ذلك خلال القرن الحادي والعشرين. فما الذي حدث للكرة الأرضية كي تتعرض لمثل هذا التلوث الهائل الذي رفع من معدل درجة حرارة كوكبنا؟

كما عرض الكاتب كيف هيّأت الاكتشافات والاختراعات العلمية في القرنين السادس عشر والسابع عشر وما بعدهما، فضلاً عن تطور التكنولوجيا في نهاية القرن الثامن عشر وخلال القرن التاسع عشر، ليصبح القرن التاسع عشر تحديداً عصر الثورة الصناعية الكبرى الأولى التي قامت في مطلع القرن على الفحم الحجري والمحرك البخاري.

أما الثورة الصناعية الكبرى الثانية فقد قامت في نهاية القرن نفسه على النفط والكهرباء والمحرك ذي الاحتراق الداخلي، الذي سمح للإنسان بالتجول في العالم واكتشافه ونهب موارده الطبيعية، بوتيرة متسارعة تعاظمت بشكل رهيب؛ قياساً باكتشاف القارة الأميركية في نهاية القرن الخامس عشر، ونهب خيراتها من الذهب والفضة وتسخير سكانها لخدمة النهضة الأوروبية آنذاك.

وهكذا غدت نتائج الثورة العلمية الكبرى والثورات الصناعية اللاحقة واضحة جلية في دمير البيئة العالمية، وكان منشؤها أوروبا في العصر الحديث، ثم انتقلت إلى الولايات المتحدة الأميركية، فالصين والهند وأستراليا وغيرها من الدول الصناعية الأشد تلويثاً للكرة الأرضية.

وكبحاً لجماح رغباتهم في التوسع في تحليل ظاهرة الدفء المناخي وأثرها في صعود الحضارات الإنسانية أو هبوط أمجادها يعود ويتساءل:

ماذا كان دور العرب والمسلمين في إذكاء نار النهضة الأوروبية التي أنجبت العلم الحديث، وكيف تم الاتصال بين الغرب والعرب، وماذا كانت النتائج المترتبة على هذا الاتصال؟

فرصة البورجوازية

ويعرض أبو دية في ختام كتابه كيف أدى التوسع السريع للمدن الأوروبية في جنوب إيطاليا، وظهور الطبقات التجارية الثرية والحرة، إلى ربط البرجوازية الصاعدة أهمية المعارف العلمية بإنتاج الثروة وتراكمها واستثمارها في تقوية نفوذها السياسي؛ فكان من شأن دعمها للعلم والاكتشافات استثمار الطاقة الطبيعية الهائلة المتوافرة في الطبيعة وتسخيرها لخدمة رغبات الإنسان وزيادة ثروته ونفوذه.

وكيف هبت البرجوازية الصاعدة في أوروبا إلى دعم الملوك والأمراء لتطوير أدوات الملاحة وهياكل السفن وتعزيز قدراتها القتالية بتطوير المدافع وتحسين خواص المعادن، ولتحقيق ذلك دعموا العلماء لدراسة خواص المعادن ومركز ثقل الأشكال الهندسية المختلفة والمعقدة وحركة الأجسام الطافية في المياه وحركة المقذوفات، أي حركة قذائف المدفعية. كذلك دعموا دراسة الفلك وتطوير أدوات الرصد والتوقيت لتسهيل تجوالهم في البحار وتنظيم أمورهم الحياتية، إذ كان علماء وفلاسفة القرن السابع عشر يشتغلون بمسائل علمية لها علاقة بالملاحة وعلم الفلك وتصنيع المعادن وتحسين خواصها وبناء السفن وتحسين هياكلها وزيادة سرعتها ودراسة حركة المقذوفات من المدافع.

فانطلقت الثورة التجارية التي انداحت من شواطئ البحر الأبيض المتوسط إلى شواطئ الأطلسي، وشكلت فيما بعد بؤراً مضيئة جديدة هناك انطلقت صوب العالم الجديد، وبخاصة بعد اكتشاف أميركا، وما تلاها من ثورات علمية واكتشافات وتغيرات سياسية واجتماعية ومناخية.

وقد استدعى تحقق الثورة التجارية مجابهة الوعي السائد (الذي سيطر عليه الوحي) بالعقلانية والتسلح بالعلم، في مجابهة اللاهوت التقليدي والفكر الغيبي، كما استدعى تحقق ذلك استبدال الحقوق الإلهية للملوك والباباوات بالعقد الاجتماعي الذي تم إبرامه بين الناس، فترسخت الحقوق الطبيعية للبشر وحرية الرأي والتفكير والحرية الفردية في مواجهة الامتيازات التي كانت تتمتع بها الارستقراطية وطبقة النبلاء والأمراء والإقطاعيين الكبار.

ختاماً، لقد أمل المؤلف في كتابه أن يدرك القارئ العربي الإرث المشترك للعلم الحديث وجذوره الممتدة في عمق التاريخ لتشمل الحضارات المختلفة، وأن يدرك أيضاً أسباب صعود العلم الحديث وتفجره في القرن السابع عشر لما صاحبه من تغيرات سياسية ودينية واقتصادية وجغرافية ومناخية مهّدت لنموه في العالم بأسره.

لقد استوفى الباحث عموماً المطلوب، فقدم بحثاً رصيناً، أحاط بالمفاهيم العامة، جاعلاً همّه تبيان الوقائع، بالشرح المسهب والتعمّق المتاح…

Previous Story

لبنان فن وثقافة وابداع، عنوان لبطولة المخرجين اللبنانيين‏ في لعبة كرة القدم (الميني فوتبول)

Next Story

فارس كرم وحفلة العمر في تونس

Latest from Blog