//

الوطن في ادب الشراكسة

123 views
76 mins read

رادار نيوز – عماد جانبيه

اذا كان البحث الأدبي يهدف، فيما يهدف اليه،الى الكشف عن جانب جديد من الأدب، فإن الموضوع، الذي شكل لها هاجساً جعلها تقدم على الخوص فيه، كان دراسة الوطن في ادب الشراكة العربي والمعرب، بعد ان تأكدت من ان المكتبة العربية، وبشكل رئيسي، والأدب المعرب، من اللغة الشركسية الأم، بشكل يدعم الادب العربي ويرفده بحيث يبين مدى ترابط القضايا المطروحة، في الادبين، ويبين، كذلك، التشابه الكبير في طرح هذه القضايا. وان كانت الظروف، التي جاءت ببعض الشراكسة الى الوطن، والتي ابقت منهم من بقي في الوطن الأم، قد لعبت دوراً هاماً جداً في تنوع الأدب، فعاين الأدب العربي-الشركسي، قضايا البلدان العربية، بينما حاول الأدب الشركسي التأقلم مع اوضاعه، في الوطن الأم، سواء بشكل ايجابي، او بشكل نقدي.

ولأن الموضوع جديد، ولأن القوم غير معروفين، عربياً في العمق التاريخي والحضاري، الذي يحمله كل ادب إرثياً لا ينفصل عنه، وجدت تدخل في تفاصيل بدت لها، من خلال دراستها النص الأدبي، ضرورية لكشف الغموض الذي قد يكتنفه بدونها، والذي قد يثير اسئلة من الصعب ان يجد القارئ العربي لها اجوبة في مكتبته العربية، فكان الباب الأول، بفصوله اشبه بطوطئة الى دخول عالم الأدب.

اما الموضوعات الحضارية، التي بحثها الباب الأول من كتابها، فكان لها الوجود التطبيقي في الادب، بشكليه، وخاصة في الباب الثالث فيما يتعلق بتأثير التراث الشركسي في الأدب العربي.

اما بالنسبة الى البحث المقدم، فقد اعتمد على الأدب الشركسي، بشكل رئيسي، حيث بدأت، تاريخياً، من عصر السلاطين الشراكسة، آخذة نموذجين هما: ابن اياس، وقانصوه الغوري، منتقلة الى حفيد هؤلاء السلاطين، الشاعر محمود سامي البارودي، في القرن التاسع عشر، لتنتقل الى القرن العشرين، حيث كانت قضية فلسطين هي القضية العربية الأكبر والأهم، وحيث تفاعل الشراكسة معها فكان احمد محرم، الشاعر الشركسي، شاعر القضية الفلسطينية، لأصل الى الادب المعاصر، سواء في الشعر، مع فيصل حبطوش، او في الرواية، مع راسم رشدي، وزهرة عمر ابشاشته،معرجة على الرواية المعربة، في لفتة سريعة، اردت منها القاء ضوء بسيط على تشابهها مع الرواية العربية، وتبيين الاختلاف ايضاً،فيما يشبه الدرس المقارن.

اما الباب الأخير، فكان بحثاً في اثر التراث الشركسي من لغة، وشعر واساطير، وامثال، وعادات، وتقاليد، في الادب العربي الشركسي، حيث قمت بالكشف عن هذا التراث، الذي بدا في ابهى حلله، وفي كامل وجوده معطياً الأدب الشركسي نكهة خاصة، وميزة فريدة مثلت الحضارة الشركسية التي، وان تفاعلت مع قضايا الوطن العربي، ادبياً ووطنياً، فإنها ظلت محتفظة بهويتها القومية التي اثبتت وجوداً وحضوراً هامين ولافتين في هذا الادب.
تعرض المؤلفة، لماذا الوطن؟ ربما لأن الأدب الشركسي، عربياً او معرباً، ما كتب الا الوطن. ربما لأن قضية الوطن كانت الاساس في تمزقات الشراكسة، اقتلاعهم، وزرعهم، تألقهمهم، او عدمه. فكانت قضية الانتماء، عندهم، قضية تجاذبها الزمان والمكان، قضية لعبها الكبار ونفذها الصغار.
ولماذا الشراكسة؟ لأنهم جدودي واخوالي الذين انتقلت، منهم الي، هواجس البحث عن الوطن بكل ما يعنيه من مفاهيم وامتدادات.

ولأنها كتبت عن قومها، الذين اعتزت بهم، والذي تنوي ، متابعة البحث عن تراثهم، فلن تتحدث عن متاعب الحصول عن مصادرها ومراجعها، التي تخلو منها كبرى المكتبات العربية في الوطن العربي.

فقد امدها القوم، بكل ما في مكتباتهم الخاصة، بكل سخاء، دون ان تنسى الادباء الشراكسة، الذين قدموا لها كتاباتهم، وتابعوا معها جهودها، منتظرين بحثاً جديداً حاولت، قدر الامكان، ان يكون ثرياً.

الشراكسة / الاديغة
الشراكسة
دعي الشراكسة قديماً بأسماء عديدة، فقد ذكر تاريخ “هيرودوت” عن قبائل(السند والميؤوت) و(الأبخاز):(الأباظة) الذين يعدون من امهات القبائل الشركسية الكبيرة. اما “استرابون” فسمى الشراكسة (جيكس) او (جيكت)، بينما سماهم “ادريان”:(تسوخي) و”بلين” سماهم (سرست) او (كركس) وكانت هناك قبيلة شركسية تسكن شمالي هذه القبائل وتدعى(سيراكس).

هذا وقد ذكر الرومان بلاد الشراكسة بإسم (تسوخيا) او (جيخيا) بينما سمى (الأيرون) بلادهم(قازاخ- كاساك)، وحين ارخ مؤرخو بيزنطة تاريخ بلاد الشراكسة دعوها(قازادحيا)، اما الروس فدعوها (قاسوغي). لقب (شركس) اذن مأخوذ من اسم (كركس) او (سرست) الذي لقب به قدماء اليونان احدى قبائل الشركس، او من اسم (سراكس) الذي سموا به اخيراً قبيلة اخرى من القبائل الشركسية.

اما العرب فيعرفون الشركس بإسم (سركس) و(سراكس). وللشراكسة اربع قبائل وهي:
“تركس” و”اركس” و”كسا” و”آص”. وتتفرع من تلك القبائل الأربع بطون وافخاذ كثيرة ذكرها المؤرخون. فعلى هذا، يقرب جداً ان يكون هذا التلقيب “شركس” اتى من جيرانهم الفرس بمعنى: الرجال الأربعة، وذلك انه ورد في الكتابة العربية القديمة اطلاق اسم “جهاركس” و”جاركس” بمعنى الرجال الأربعة، لأن “جهار” و”جار” بمعنى اربعة و”كس” بمعنى رجل.

وكان لفظ (تاشركسي) و(القفقاسي) بمعنى واحد، ثم خصه (الأتراك) بالقسم الغربي من سكان شمال القفقاس حتى تنوسي الإطلاق الأصلي واشتهر الإطلاق بالمعنى الأخص في المدة الأخيرة، ويعرف الشركس اليوم بالمجموعة الغربية من شمال القفقاس، ويتألفون من :(الأديغة)، و (الوبخ) و(الأبخاز) حيث يدعون بمجموعتهم بـ:”الأديغة”.

الأديغة:
ان كلمة “اديغة” بتخفيف الغين، هي الإسم القومي لشراكسة الجزء الغربي من القفقاس الشمالي، ومعناها المصطلح عليه: الانسان الكامل او معناها: نجيب، اصيل، انسان نبيل وقد تطورت التسمية في مراحل عكست المراحل الحضارية والثقافية والاجتماعية التي عاشتها هذه الأمة عبر التاريخ وذلك على النحو التالي:
(نارت): وهي الأمة التي ينتسب اليها الأديغة، وقد تحدثت اساطيرهم عن تفاصيل حياة هذه الأمة، وهي تسمية موغلة في القدم. فإن لفظت(نات) بدون الراء التي هي حرف تعريف،(ن+ت) عنت عطاء الأم، وتؤرخ مرحلة عبادة (الأم الكبرى).

(انت): تتألف من مقطعين (ان+ ت) وهي تعني: عطاء السماء، وتؤرخ مرحلة الزراعة وتربية الماشية بعد تعدد الآلهة،آن: اله السماء+ ت: العطاء.

(اديغة): اسم الجزء الغربي من شمالي القفقاس(اديغة، وبخ، ابخاز) وحرف (د) يدل على الأب، وهذه التسمية تدل على المراحل التي انتقلت فيها الأسرة الى النمط الأبوي.

ويقسم مت جوناتوقة يوسف عزت قبائل الأديغة الى:
قبيلة(اباظة): (ابازة)، وقبيلة (ابزاخ)، وقبيلة (آدمة ي)، وقبيلة (بجدوغ)، وقبيلة (جيكت) وقبيلة (حاتو قواي) وقبيلة (جان)، وقبيلة(شابسوغ) وقبيلة(ناتخواج) وقبيلة (قبرداي – قبرطاي) وقبيلة الأوبخ و (وبخ).

صفات الشعب:
ان اول من كتب عن الشراكسة بإسهاب هم اليونان والرومان، كذلك فعلت الروس والانكليز والفرنسيون والألمان والأرمن والكرج والأتراك والعرب. وهم من شعوب القفقاس الأصلية(Paleo Caucasien) وقد حافظوا على قوميتهم وجنسيتهم، ولم يختلط بدمهم دم آخر ولم يدس عرقهم اجنبي رغم تقلب وتعدد الفاتحين والمغيرين على بلادهم، وقد ضربت بهم الأمثال في حب الأوطان وعرفوا بالشجاعة ايضاً اذ هابهم الكلدانيون والآشوريون والمصريون والأقوام المجاورة لهم لعظمتهم وجبروتهم ودام ملكهم آلاف السنين وهم ضمن “الاتحاد الامبراطوري لحكومات الحثيين” اذ ان الحثيين هم من ارومة الشراكسة، تنبىء عن ذلك اللغة، وهياكل الحثيين المحفوظة في نواويس مصرية، كذلك الملابس والأزياء والمعتقدات.

وقد دعمت الشجاعة فيهم لتعرض بلادهم الطويل لغزوات وهجمات كبيرة فكان عليهم ان يكونوا متحفزين وجاهزين ضد اي غزو او هجوم، فهم “يقاتلون حتى الموت مع علمهم الأكيد بأن الأمل قد انتهى، وانهم في النهاية هم الخاسرون.

وقد لفتت شجاعتهم ودفاعهم ومقاومتهم ضد الروس(1177هـ \1763م- 1281هـ \1864 م) نظر المؤرخين فاهتم الأوروبيون بهذه المقاومة العجيبة من قبل شعب صغير ضد اكبر امبراطورية في اوروبا فكتب الكثير عنها واعتبروا فرساناً ارستقراطيين واعتبروا لشجاعتهم اللافتة نبلاء وقد قال الأستاذ ادمون دولوريه في مقالة (الشعوب القفقاسية) التي نشرت في (مجلة العالمين) باريس 15 نيسان 1861:
“لو كان ممكناً ان تجمع في شخص واحد شجاعة الجبلي التي لا تغلب، ومدنية الرجل الراقي، وعدم مبالاة الفلاح (paysan) غير المجهز بالعلم، لكان بالإمكان اعطاء فكرة صحيحة على وجه التقريب من الطبع الشركسي.

جغرافيا القفقاس وتأثيرها على مسار التاريخ

كان القفقاس منذ القدم، حلقة الاتصال بين الشرق وبلدان اوروبا الوسطى والشمالية. وهو يشبه قنطرة عظمية بين آسيا واوروبا، لذا كان طريق المغيرين والفاتحين بين القارتين، وكان ايضاً، سداً منيعاً وعقبة كأداء في وجه الغاضبين. وهو، بحكم موقعه الجغرافي، غني التربة، غني الأنهار، غني البحيرات، غني الجليديات، غني المياه المعدنية، كما انه يملك ثروة نباتية ضخمة اذ يحتوي نحو 6500 نوعاً من النبات الموجود في العالم، اي ما يعادل نصف انواع النبات في العالم ويوجد فيه الكثير من انواع الحيوان. اما الثروة المعدنية، فهو غني بالذهب والفضة والرصاص والقصدير والحديد والمنغنيز والكوبالت والنحاس والكبريت والكروم و الفحم الحجري، وملح الطعام وصخور الغرانيت وانواع الرخام الفاخر، وعروق الماس. غني ايضاً بالموليبدن والفولغرام اللذين يدخلان في الصناعات الحربية والفضائية، كذلك غني بالنفط والغاز خاصة في اقاليم: الأديغي والقبرطاي والشاشان والداغستان.

ان هذا الموقع الجغرافي، وهذا الغنى، جعل القفقاس ومنذ القدم، محطة هامة للقوافل التجارية، فقد كان نقطة التلاقي بين التجارتين البحرية والبرية، وبيعت في اسواقه كثير من المواد الهندية والصينية والايرانية والبيزنطية والعربية، بينما صدر الأقمشة المطرزة بالذهب، والأسلحة والأرز والمواشي والأسماك، لكن طريق التجارة تراجعت اثر الإحتلال الروسي، واكتشاف طرق اخرى كرأس الرجاء الصالح، وقناة السويس، وتحولت الى تجارة داخلية، الى السوق الروسية ومنها. وفيه طرق مواصلات معبدة، وسكة حديدية ومطارات وموانئ بحرية هامة. وتشكل السياحة فيه مورداً هاماً لغناه بالغابات الواسعة، والمحميات الطبيعية، والقمم، والشلالات والمياه المعدنية، والبحيرات، والجموديات، والنتجعات السياحسة الأخرى.

اما بالنسبة للصناعة، فقد اشتهر الأديغة، منذ القدم، بنحت التماثيل وصقلها، وبفن الحفر والرسم، وصياغة المعادن، وصناعة عدد الحرب، وكانت صناعتهم تلك مضرب الأمثال. وقد صنعوا الفسيفساء(الموزاييك) من خلط البرونز مع الأحجار الملونة بالأحمر والأسود والأبيض كما اشتهروا بصناعة الحلي والمجوهرات والأواني الخزفية والصينية، كما صنعوا (القامة) (الخنجر القفقاسي) و زينزها بالفضة وماء الذهب وصنعوا القسي والنبال، وخراطيش البارود الخشبية المصفحة بالفضة المزخرفة، واقراطها من الحديد والفضة واساور وخواتم وامشاط وادوات للزينة، كما صنعوا البنادق والعتاد يدوياً.

والى جانب هذه الصناعات، وجدت لديهم صناعات تقليدية، كصناعة الألبان والزبدة وعرفوا الزراعة ومهروا فيها، كذلك مهروا في تربية النحل. ونقلوا معهم صناعاتهم الى حيث هاجروا. هذا، وقد اثر موقع البلاد الاستراتيجي على علوم الشراكسة، اذ وجدت آثارهم القديمة مكتوبة بالآشوية وهي كتابة صورية مقطعية منذ الألف الثالثة قبل الميلاد، كما كتبت باليونانية، وبحكم وجود علاقات بين قدماء الشراكسة واليونانيين الذين نزلوا سواحل البحر الأسود الشمالية الشرقية في القرن السادس ق.م، وشرعوا ببناء بعض المستوطنات هناك حيث ازدهرت دولة الشراكسة، وتقدمت فيها الصناعات والتجارة وسكت العملة لتسهيل المبادلات التجارية، واوجد الشراكسة اسماء السنين والشهور والايام وسموها بأسماء بلغتهم حسب ما اوحته لهم طبيعتهم وطبيعة بلادهم وقسموا السنة الى اثني عشر شهراً، والشهر الى اربع اسابيع والأسبوع الى سبعة ايام، وسموا الأجرام السماوية، واهتدوا بها ليلاً في سيرهم. وفيهم من يعرف سير النجوم واتجاهاتها ويعرفون باسم(غوازه) اي الأدلاء، وكانوا يهدون القوم في سيرهم وهجومهم ليلاً.

وقد احتوت اللغة الشركسية على الاسماء الخاصة بوسائل القراءة وادوات الكتابة، كا”الكتاب والورق والقلم والمدرسة والمعلم” وكان ايام الامبراطورية البيزنطية حيث نعم الشركسة بالسلام، واخذوا بأسباب التمدن والرقي الى ان زالت هذه الامبراطورية، واقتحموا من قبل الأقوام الهمج فانصرفوا الى الدفاع عن انفسهم.

وقد اهل الموقع الاستراتيجي القفقاس ليكون ممراً لقوافل التجارة وللشعوب المجتاحة والغازية من الجنزب او العكس، وصار، في نهاية المطاف، هدفاً حيوياً هاماً للامبراطوريتين، العثمانية، التي ارادت الاتصال بالشعوب الطورانية في آسيا الوسطى لتحافظ على امبراطوريتها مستعينة بدعمهم، والروسية، التي حلمت باحتلال القفقاس للوصول الى البحار الدافئة لترث الامبراطورية البيزنطية وتدافع عن المسيحية. وبعد الحروب الطويلة التي قاتل فيها الشراكسة الروس، والتي انتهت باحتلال اراضي القفقاس الشمالي من قبل الروس، وبعد عمليات الابادة الجماعية للشركس وتهجيرهم الى تركيا، ومن ثم تفريقهم في البلدان العربية، قطعت اوصال شمال القفقاس، وشرذم الى كيانات هزيلة وضعيفة وبأسماء عشائرية او اقليمية.
ويسكن الأديغة اليوم في ثلاث مناطق ضمن الاطار التنظيمي لجمهورية روسية الاتحادية (URR) كما يلي:
في جمهورية قبردين- بلقار ذات الحكم الذاتي
في جمهورية الأديغة ذات الحكم الذاتي
في جمهورية قرشاي- شركس ذات الحكم الذاتي
جمهورية ابخازيا
ويوجد الشراكسة اليوم في تركيا. اما في البلاد العربية، فيوجدون في الأردن، مصر وسوريا.

الكتاب: الوطن في أدب الشراكسة
المؤلفة: د. ايمان بقاعي
المصدر: جريدة الإتحاد عماد جانبيه

Previous Story

شركة تأمين تطالب متوفاة الحضور للفحوصات للحصول على مستحقاتها

Next Story

زوجات زعيم “القاعدة” أسامة بن لادن… عندما نتأكد من مقتله سنقيم العزاء!

Latest from Blog

المير الأصيل

المير الأصيل سيماؤه في إطلالته، ولكل امرئ من اسمه نصيب”، هذا ما قاله العرب قديماً. انه