أنجح السبل لازالة سوء الفهم

345 views
21 mins read

ثقافة الحوار تبدأ في حديث الانسان مع ذاته، ومن ينغلق من الداخل يفشل في التعاطي فكرياً مع غيره لأنه جاهل بمكنونات نفسه وعن كسر طوق العزلة الانفرادية التي تحدو به من الخوف، والحوار معه لا يتحقق دون ان تتسع الأنا لتهيئ في داخلها مكاناً ارحب للآخر. لذا نستطيع ان نقول ان الثقافة هي الوعي المتطور للفكر الانساني وهي الانجاز الرائع لهذا الوعي.
والواقع ان الانسان، وبحكم طبعه الاجتماعي في حاجة الى جماعة ينتمي اليها والوطن يعتبر شكلاً متقدماً في تعبير الانسان عن هذه الحاجة وبالتالي يذهب جزء كبير من جهد الانسان لممارسة وجوده في هذه المنظومة الاجتماعية في اطار ما يصطلح عليه بالمواطنة.
من المواطنة، تأتي ضرورة الاهتمام بذلك الآخر. فاذا كانت الوطنية هي ذلك الشعور بالانتماء الذي يشد الفرد الى مجتمعه ووطنه، فان المطلوب تعزيز هذا الشعور عند كل افراد المجتمع وذلك من خلال عدم تهميش الآخرين بحجة الاختلاف في الرأي والاجتهاد وغيرها من الامور الخلافية. فعندما نستطيع ان نؤسس لثقافة تهتم بالآخر، نقلص من السلبية التي تتسم بها بعض شرائح المجتمع في التفاعل مع قضايا المجتمع والتحديات التي يواجهها، بل ان هذه السلبية قد تتطور عند البعض لتأخذ صورة أفعال معطلة لحركة المجتمع ان لم تصل الى حالة الاضرار بمكونات المجتمع وتخريب منجزاته. وفي هذا المجال يؤكد اهل الاختصاص في مجال السلوك الانساني ان الحوارمن انجح السبل لازالة سوء التفاهم بين الاطراف، وان حالة الاحتقان الناتجة من سوء الفهم هي التي تجعل النفوس مستعدة لاسقاط الآخر وربما حتى التفكير في ازاحته، وعندما يتعاظم الشعور بالرغبة في ذلك يصبح الجميع من الداخل والخارج اهدافاً مشروعة للذين لا يرون الا انفسهم، وان الآخر هو حالة طارئة في حياتهم.
وسيجد الذين يؤمنون بالحوار صعوبة في تحمل دعوات المشككين بأهمية الحوار وستكون هناك معاناة لهم بفعل ما يقوم به البعض من استغراق في الاشكال والتفاصيل غير المجدية، ولكن تبقى تجربة الحوار وما سيجنيه الناس بالحوار من ايجابيات كثيرة بفضل تكامل قواه الخيّرة والمخلصة تستحق منا الصبر والعمل الدؤوب.
لا بد من اعطاء اهمية كافية للحوار كون الحوار يقوم على المساواة وايمان اطراف الحوار بهذه المساواة يقتضي قبول الاختلاف وايلاء اهمية للآخر واقتسام المعرفة بوصفها رابطاً جماعياً واداة تعارف وتقارب وتضامن، وان الحوار يمكن ان يلعب دوراً حيوياً وهاما في خفض مثيرات العنف والغاء الآخرالمختلف، والاقلال من احتمالات لجوء الاشخاص الى العنف كوسيلة للتعبير عن انفسهم او كطريقة لحل مشكلاتهم او التخلص من احباطهم. رغم اننا على كل المستويات وفي كل المناسبات تقريباً نتحدث عن اهمية الحوار ليس فقط كوقاية من العنف وعلاج له وانما لتحسين نوعية وجودنا الفردي والاجتماعي والانساني.
رغم كل هذا، فان لدينا مشكلات عميقة وعديدة تتعلق بهذه الناحية، اما بسبب انسداد قنوات الحوار(كلها او بعضها)، او بسبب شيوع انماط غير صحيحة للحوار بيننا، والسببان يؤديان الى تعطيل عملية التواصل الصحيحة مع ما يتبع ذلك من مشكلات في العلاقات تكون ادارة الظهر لحل القضايا او العنف احد افرازاتها. لذلك، على المثقف ان يؤسس لثقافة ترى ان الآخر هو جزء من وجوده وان الالتقاء به والحوار معه هما الاصل في هذه الحياة… ثقافة تنطلق بنا من المشتركات وعندما يكون الاختلاف في الرأي والرؤية والطريقة كلها دروباً للتكامل كأفراد ومجتمعات. وفي هذا الواقع المزري، يجب على المثقف الملتزم والواعي لدوره ان يكون صادقاً مع نفسه، حاملاً عدداً من القيم الاساسية، مستعداً للتضحية ملزماً بضميره والتحديات التي تواجهه، لأن المثقف هو ذلك الانسان الذي يعي ذاته وذات مجتمعه، من خلال الصلة بواقع هذا المجتمع وما ورثه من القضايا الفكرية والسياسية والحضارية والانسانية.

Previous Story

حفل عشاء في الجامعة الأميركية برعاية السيدة الأولى وفاء سليمان

Next Story

ابداع 4 لفريق برشلونة على مانشستر بفوزه بلقب دوري أبطال أوروبا لكرة القدم

Latest from Blog