حنا صعيب رجل ارمل حفر في الصخر ليجد في اسرته الماء النقي

78 views
40 mins read

رجل تحدى فقدان الزوجة بوفائه وحمايته لاسرته
هو رجل جعلته الحياة يحفر في الصخر دون ان يدري وهو في حفره هذا حاول ان يسعى ليجعل من صعوبات حياته ابريقا من الماء العذب كعذوبة قريته اللبنانية الشمالية “حدشيت”،حنا صعيب الوالد الارمل جعل من عائلته عجينة متماسكة قوية فكان في عاطفته الام الحنون، وفي خدمة العائلة الرجل المسؤول والقوي، وفي اصابة ابنه الموجعة الملازم اول في الجيش اللبناني، الأب مكسور الجناحين، تلك هي الحياة مجموعة من التناقضات أثقلت كاهل بابا حنا لكنه لم يستسلم جاعلا من تواضعه قوة ومن ايمانه استمرارا في وجه المشقات ومن نجاح اولاده راية الفرح ترفرف فوق جناحيه كطائر الفنيق يمتلك الفضاء،

فـمن موقع رادار نيوز  في عيد الاب تحية تقدير لصموده. 
 
بابا حنا يلعب دور الوالد والوالدة
تدخل عتبة بيت بابا حنا فتحتار بأي كلمة تأهيل تخرج من فمه، شفاف حتى آخر الدرجات، صبور حتى القمة، مؤمن حتى الهداية، من القليل يعطي الكثير فكيف بأولاده طوني انطوانيت شربل هند ايلي ماري وروني فلذات قلبه الذين شاء قدرهم ان يحرمهم من والدتهم تيريز الغالية، شربنا القهوة من كرم يديه وبدأنا حديثنا:” وفاة زوجتي تيريز كان موجعا لنا جميعا، توفت عام 2000 فجرا قبل ان تشرق الشمس وبالفعل شعرت حينها بالعتمة الحقيقية، ذهبت الى الشرفة وجدتها كالجمر متكئة دون صوت، لم اصدق شعرت بالهلع ومنذ ذاك الوقت غابت الحبيبة وبدأ طوفها يلوح امامنا، زوجتي كانت في منتهى البساطة وخفة الظل حياتنا كانت هنيئة، لديها روح الفكاهة، كانت تضع مسبحة صلاة في عنقها اخذتها وما زلت ارتديها في عنقي اشعر وكأنها ترافقني وهذه المسبحة حصانة منها تشعرني بالقوة والأمان والقدرة على الاستمرارية ومجابهة كل المشاكل. حياتي بعدها اصبحت بالطبع مختلفة يبدأ يومي باكرا جدا لكثرة انشغالاتي من خلال اهتمامي بكافة حاجيات المنزل والاولاد رغم انهم يساعدوني في كل شيء، التدبير المنزل امرا ليس سهلا علي احيانا اشعر بالتعب لكن علي المتابعة ، انا اقوم بدوريين الاب والام معاً اشتري حاجيات المنزل والخ.. ولا انسى انه علي  الاهتمام بعملي الاساسي الاهتمام بالارض ومنتوجها وهي مصدر تحصيل لقمة العيش، الحمدالله ربي لم يتركني وانا مؤمن وسأكمل مسيرتي على هذا المنوال حتى آخر رمق.”

الحب والزواج
في السابع والعشرين من عمري تزوجت بعد علاقة عاطفية استمرت لسنوات بتيريز حدشيتي وقد كانت امرأة شريفة،وانسانة شفافة وبسيطة وقد عرفت بطيبة قلبها وعزّة نفسها،هي المرأة التي قلّ وجودها اليوم لأنها كانت تضحي بكل شيء لإسعادنا ومنذ ذلك الحين تعاوننا سويًا على تربية الأولاد وتشاركنا الحياة في حلوها ومرّها ورزقنا بسبعة أولاد وهنا شكرنا الله الذي انعم علينا بهم شبانًا وشابات لطالما افتخرنا بهم  وبهن.كانت زوجتي المحرك الأساسي في المنزل في التدبير والتربية و الشؤون المنزلية،كانت الظروف آنذاك مغايرة لما نحن عليه اليوم،وكانت الحياة صعبة والطرق المعيشية تقليدية فكانت امرأة مجاهدة تخبز على الصاج وتغسل بيديها أكوام من الثياب دون ملل أو كلل أو دون تذمر مناجيةً الله للمساعدة،وهي امرأة مؤمنة بنصيبها وقدرها،ولكن الدّهر قد غدرني حين توفيت  وهي في ريعان شبابها وكان موتها فاجئاً اثر نوبة قلبية وهنا الحلم الذي وضعناه سويّا لم يتحقق.واعترتني آلاف التساؤلات؟كيف يمكنني الاستمرار دونها وهل تقف هنا الحياة ؟.وها انا اليوم أعاني وجودها  وتلقى على عاتقي المسؤولية الكبرى في تدريب الأولاد ومساعدتهم في مشقات الحياة ومطباتها.

كفاح مستمر
بابا حنا فعلا كان رجل المهمات الصعبة الذي جعل من صبره صلاة دائمة على لسان كل من عرفه، فهو خاض وما زال يخوض معركة مع الذات ما بين الرضا والايمان بواقعه المرير وها هو الموت يجعله في كفاح مستمر، يقول:”بدأت أجهد ليلًا نهارًا لتعليمهم وتربيتهم ، تحملت مسؤولية المنزل بكافة تفاصيله من تنظيف وطبخ وتحضير اولادي للمدرسة وهم بالطبع تحملوا المسؤولية معي ويساعدوني،   لكنّ الذكريات مازالت حتى اليوم تعانقني ولا تفارق لحظات حياتي ،فالمحطات الحياتية الجميلة التي جمعتنا عديدة أبرزها حين رزقنا بابننا البكر طوني من ثم ابنتنا انطوانيت بالاضافة الى محطات شاقة أبرزها مراحل مرضي وكيفية تعاطيها مع وجعي فكانت تتأنى بالتعامل معي وتحضنني وكأني طفلها المدلل حتى باتت الام والزوجة والرفيقة…تتراكم الذكريات وتتفاقم أثرها مع تقدم السنونات .”

فقدان الزوجة
فقدان الزوجة في حياة بابا حنا ترك فراغا كبيرا جعله اكثر وفاء للحبيبة والزوجة التي غادرته تاركة في كل زاوية من زوايا المنزل ذكريات جميلة  جعلته يشعر بغيابها:”كم أتمنى أن تكون بجانبي في الافتخار بابنتي هند التي ستناقش الدكتوراه في القريب العاجل وكم أتمنى أن تكون شاهدة على زواج ابنتي انطوانيت القريب وكم أتمنى أن تتقي غربة أولادي المسافلاين في بلاد الاغتراب ومنهم الابن الاصغر الذي يعمل في أربيل العراق والأخر المغوار الذي يتعالج في احد المستشفيات الفرنسية  ..ربّما هي الحياة قاسية وقد تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.”

والد الشهيد الحي والفارس المغوار
الضربة الاكبر والموجعة في حياة بابا حنا والتي زادت من ألمه عندما اصيب ابنه الشهيد الحي المغوار “طوني صعيب” الذي اصيب بالشلل التام في احداث نهر البارد، لم تجف دموع الاب الحزين حتى اليوم الي انتقته الحياة ليعيش صريع مآسيها، يقول:”    ومع كل ذلك أنهكتني الحياة أكثر فأكثر حين أصيب ابني البكر المغوار بشلل رباعي  في الجيش اللبناني لكن الله لم ينساني بسبب وجود أخته البكر الى جانبه حتى في متابعة علاجه منذ حصول تلك الكارثة وأصبحنا نشعر بفقدان المرأة في المنزل اكثر وأهميتها لأنّها  كنز اختبأ وراء جدران الأيام وتبلورت هذه الصورة بمو تها.فكرة تحمل ابني من صورة البطل المقاتل في سبيل الوطن الى شاب في مقتبل العمر جليس الكرسي المتحرك تأسرني كنت احلم بع عريسا وانتظر احفادي منه الا ان ارادة الله اقوى من كل شي ولم افقد ايماني يوما.”

الوفاء للزوجة
الوفاء للزوجه حتى في غيابها كان شعار بابا حنا صاحب القلب الكبير الذي يجعلك تخجل امام كرمه وضيافته وحبه للآخر، بابتسامة هادئة قال:”اولادي اليوم في سن الرشد وتجمعني بهم علاقة اخوة وصداقة لذلك لم أشأ أن أتزوج كي أحميهم، ففضلت العيش بينهم كي يشعروا بالعاطفة التي حرموا منها وأشكر الرب دومًا أنهم يساندونني ويحترمونني وتجمعنا محبة مطلقة في السّراء والضرّاء لكن في الواقع يبقى الرجل الأرمل مكسور الجناحين ويشعر بالغربة عن هذه الحياة لأنّ نصفه الآخر قد انقطع عن الحياة

 
العائلة المتماسكة تجمعها المحبة
جعل بابا حنا من عائلته عجينة متماسكة قوية لا تتمرد عليها الحياة بل تأكل من خبزها الطيب النظيف وها هو تراه متعلقاً بهم أشد تعلق يعطي كل ما لديه بفرح، يختتم قائلا:” يبقى الأمل دومأ بهذه الثمار التي زرعناها أنا وزوجتي المرحومة تيريز في هؤلاء الأولاد وهم أملي الوحيد في الحياة وقد برهنوا مرارًا عن طاعتهم لي وهم يحضونني وكل منهم يريد ارضائي.  غصّة كبرى تعصف في داخلي لكنها تزيدني قوة واستمرارية فالالم الذي لا يميتك يحييك بهذه الكلمات أختصر وحدتي الزوجية لكنني فخور بهؤلاء الأولاد فمن خلالهم استعيد  لحظات سلبتها مني الموت والمرض والألم.”

Previous Story

سباق المشي لمواجهة إلتهاب المفاصل الرثياني

Next Story

روني برّاك بين أميركا وألمانيا

Latest from Blog