هنري زغيب: كلُّ شعري قبل “ربيع الصيف الهندي” كان افتعالَ غَزَل

303 views
60 mins read

 أعلن الشاعر اللبناني هنري زغيب انه يبدأ بالشعر وينتهي بالشعر وما بينهما يسيحُ في قصائد الشعراء التي تهُزُّه ويراها في قلب الشّعر، مناراتٍ له، وللشعراء، على طريق الشعر المقدّسة.

وقال في حديث خاص لموقعنا رادار- نيوز أَشكر الذين يرَون في شعري تميُّزاً أظنُّه وليدَ اثنين: تَمَسُّكي بالأصول، وتجديدي من داخل هذه الأصول. ذلك أنني أعتبر كلَّ جديد يجب أن يطْلعَ من أرضٍ فيها جذورٌ أستمدُّ منها لجذوعي نُسغَ أصالة يُكَوّن لي المادة الأوّلية. أما الفروع والغصون فهي من عملي وجهدي واشتغالي على التجديد. التراث مَنَحَني المادة، ودَوري أنا ألاّ أنسخ هذه المادة كما هي، وإلاّ أكون مُقلّداً لا بصمةَ لي، بل أن أتناول تلك المادة الأصلية وأعيدها إلى القارئ والمتلقّي حاملةً لَمْعةَ تجديدي وفيّةً للتراث ومواليةً حداثةَ العصر.

–  هل الكتابة ترتبط بساعة معينة؟

 ليس لكتابة الشعر وقتٌ محدد ولا مكانٌ محدّد. الشعرُ تَنَفُّسٌ طبيعيٌّ لدى الشاعر، نابضٌ فيه كلّ لحظة. لذا على الشاعر أن يكون حاضراً، جاهزاً، متيقظاً لتَلَقّي ومضةِ الشعر حين تأتيه، في أيِّ وقتٍ وأي مكان، حتّى إذا دوّن فكرتَها سريعاً، عاد ينْسُجُها قصيدةً، في طقوسٍ يكون اعتادَ عليها لكتابة الشعر، وفق خَياراته في الوقت والمكان. يأتيني الشعر في أيّ وقت: فكرةً، أو لَمعةً، أو بيتاً، أو فِلذةً من بيت، أو خاطرةً لائقةً بدخول القصيدة، أُدوّنُها حيثما أكون، لكنني لا أَكتبُها منسوجةً في قصيدة إلاّ في بيئة نفسية ومكانية أُكوِّنُها شخصياً لكتابة الشعر.

– هل أنت تكتب القصيدة أم انها تقوم بكتابتك؟ وما هو شكلها؟

يكتبُ القصيدةَ ساعةَ يشاءُ مَن يفتعلُ الحالةَ أو يتخيّلُ الحدث. عندئذٍ يكون هو الذي يكتبُ القصيدة. وهو هذا ما حصلَ لي في معظَمِ قصائدي التي سبقَت كتابي “ربيع الصيف الهندي”. غير أنني في هذا الكتاب، ومنذُ قصائده التي هي كتَبَتْني نتيجةَ حالةٍ وحدث، لم أَعُد في حاجةٍ إلى أن أفتعل الحالة ولا الحدث، لأنّ القصيدة هي التي أصبحت تأتيني فكرةً أو حالةً أو نتيجةَ حدَثٍ، وتبقى عليَّ صياغتُها كي تكتملَ في شكلِها اللائق أن تدخل به حرم الشعر. أما هذا الشكل فهو الشِعر بمعاييره الأصيلة: بحراً ووزناً وتفعيلةً وسائر مقاييس الشعر الحقيقي. وإلاّ فهي نثرٌ أُتقِنُه كما شِعري، وأَقول عنه إنه نثْر، ولا أُضفي عليه أية صفةٍ من قاموس الشِعر. أنا أعتزُّ بنثْري اعتزازي بشعري تماماً. 

– من تحرص أن يكون أول القارئين لشعرك؟

حبيبتي. ذلك أنها، إلى حبِّها الكبير، وقلبِها الحنون، وإيمانِها الأبيض، ذاتُ عقلٍ كاملٍ أثقُ به، وأؤمن به، وأعودُ إليه قبل تذهبَ أيّة قطعةٍ لي إلى النشر، شِعراً كانت أم نثراً.

 

– هل هناك قاسم مشترك بين الشعر والسياسة؟

لكلٍّ منهما رسالتُه. والقاسم المشترك بينهما، وأسمّيه الجامعَ لا القاسم: هو الصدق. الشعر المفتعَل يظلُّ عرضةً للنقْض. والسياسة المفتعلة تبقى معرّضةً للنقد. وبين النقض والنقد يتّضحُ المعيار. كلّ شعرٍ غير صادق لا بُدّ أن يفضح صاحبه، وكلّ سياسة غير صادقةٍ آيلةٌ حتماً إلى فضح صاحبها. فلْيلتزم الشاعر الصدقَ وليلتزم السياسيّ الصدق، وعندها يجتمعُ الشعر والسياسة على رسالةٍ نبيلة.

 

– كيف ترى الذائقة الشعرية لدى مجتمعنا اللبناني والعربي؟

يؤسفُني القول إن هذه الذائقة ضائعة بين الأصيل والدخيل. ذلك أنّ الدخلاء على الشعر، والمتطفّلين على الإبداع، يُغْرِقون القرّاء والمتلقّين بالكمّ الهائل من كتاباتٍ ليست شعراً ويسمّونها شعراً، وليست من النثر في مستواه الجماليّ الأرقى ويسمّونه نثراً شعرياً أو شعراً منثوراً أو قصيدةَ نثر. وأُضيف إلى هؤلاء مَن يكتبون القصيدة العروضية أو قصيدة التفعيلة بمعايير الشِعر وزناً وبحوراً وقوافي، وهي ليست من الشعر سوى نظمٍ فضفاضٍ مكرّرٍ لا يأتي جديداً في اللمعة الشعرية… الذي يُصحّح الذائقة الشعرية: انصرافُها إلى الشعر الأصيل الواضح السلس، الجميل الجماليّ، حتّى يكون هو المعيار لقياس الذوق الشعري والإبداع الشعري الحقيقي.

–  يقال إن زمن الشعر قد انتهى، واليوم هو زمن القصة أو الرواية، ماذا تقول؟ وكيف يستطيع الشعر أن يسترد مكانته برأيك؟

 أرفضُ بحزمٍ مقولةَ “إن زمن الشعر انتهى”. الشعر ليس من المتغيّرات بل من الثوابت. المتغيّراتُ تنتهي أو تتبدّل. الأزمة هنا ليست أبداً في الشعر بل في دخلاء على الشعر شوّهوا مفهومه العالي وجماله الراقي وقداسته المباركة، فَـهَجَّ المتلقّون منهم معتبرين أنهم يهجّون من الشعر. ولا أنكِرُ أن الزمن اليوم زمن القصّة والرواية بدليل أن معارض الكتب تشهدُ إقبالاً على القصص والروايات أكثرَ من الإقبال على كتب الشعر. وهذا طبيعيٌّ لأن القارئ يجد متعةً في متابعة قصّة وأشخاصها، أو رواية وأبطالها، أكثرَ مِمّا هو مستعدٌّ لتفكيك رموز قصيدةٍ عقّدها صاحبُها حتّى باتت عصيّةً على الذوق. أما كيف يستعيد الشعر مكانته، فالأمر واضحٌ عندي: حين يظلُّ يأتيه شعراء خلاّقون يقدّمون القصيدة بصورة جمالية وتركيب إبداعي ونسجٍ شعريٍّ خلاّق.

 – من هم الذين تجدهم أكفياء بالشعر في يومنا هذا؟ مع ذكر الأسماء إذا أمكن؟

 في الجواب السابق حدّدتُ المعيار. وشاعري المفضّل الوحيد هو: الشعر. مَن أقرأ لهم هم الأكفاء الذي يستحقّون أن يكونوا في هيكل الشعر.

 –  ما هو الكتاب الذي تعود إليه؟

القرآن الكريم، “نهج البلاغة”، وكتبٌ مطرّزةٌ بالنثر الجماليّ أو بالشعر العالي.

 – ما رأيك في ترجمة شعرك خاصة، والشعر عامة؟

عرف شعري ترجماتٍ عدةً أصابت المعنى في أماكن كثيرة ولم تصبه في أماكن أخرى. ولأن شعري ذو تراكيبَ شعريةٍ خاصةٍ باللغة العربية، عَمَد المترجمون إلى نقل مضمون قصائدي في تراكيب لغتهم التي يترجمونني إليها، وتالياً فقَدَتِ الشكل إن لم تفقد المضمون في معظم الترجمات. أما ترجمة الشعر فلا يأتيها أيُّ مترجمٍ مهما كان حاذقاً ومتضلّعاً باللغتين الأصلية والمترجَمِ إليها، بل يأتيها شاعرٌ متمكّن في اللغة المترجِم منها، مفاصِلَ وتراكيبَ ومحسّناتٍ أسلوبية، ومتمكّنٌ في لغتِه الأصلية من هذه المفاصل والتراكيب والمحسّنات الأسلوبية.

 – كيف ينظر شاعرنا للمرأة؟

كانت عندي حُلُماً جميلاً طالَما مدَدْتُ إليه قلبي لأقطُفَهُ، وقلمي لأكتُبَه، لأن المرأة عَصَبُ الحياة ونبضُ الشعر. وعندما تحقّق الحلم وتجسَّدَ في المرأة التي أنعمَت بها الحياة عليّ، وكتبتُ لها “ربيع الصيف الهندي”، لم تَعُد المرأة حلماً أوّلَ في حياتي، بل صارت هي كلّ حياتي.

 – هل هناك ربطٌ بين حياتك الواقعية وبين ما يرد في قصائدك؟

قبلَ “ربيع الصيف الهندي” كنت أتخيّلُ واقعاً في حياتي وأستمدُّ بعض هذا الواقع لأرسمه في شعري. أما منذ “ربيع الصيف الهندي” فالربطُ بات متيناً ووثيقاً وواقعياً وحقيقياً بين كلّ نبضةٍ في حياتي وكلّ فلذةٍ من شعري.

 – لماذا، يحق للشاعر ما لا يحق لغيره؟

أرفض هذا القول رفضاً قاطعاً. والشاعر الذي، باسم الشعر، يرتكب التجاوزات، لغةً أو تراكيبَ أو محسِّناتٍ مصطنعة، هو ضعيفٌ ومُتَعَدٍّ على الشعر، ويختبئُ وراء مقولة “يحقّ لها ما لا يحقّ لسواه”. الشاعرُ الشاعر هو الذي يعرف أنّ الفنّ العظيم يولَدُ من الصعوبة التي تبلُغ المتلقّي بسهولةٍ سلسلة. إنّ الصعوبة تولّد الفنّ الكبير والاستسهال في السهولة يودي إلى الفنّ الذي لا عمرَ له مهما طال.

 – لو عدت إلى أيام الماضي هل ستختار أن تكون شاعراً؟

أكيد. طبعاً. حتماً. بدون تردُّد. لم تعطِني الحياة فرصةً أكبرَ من أن أكون شاعراً، ولم تعطني نعمةً أكبرَ من أنني أخيراً وجدتُ حبيبتي بعد ستين سنةً على هذه الأرض.

 – ألا ترى أن هناك قطيعة بين جيلكم وبين الجيل الصاعد من الشعراء؟

بلى. لأن شعراء الجيل الجديد تفتَّحوا على موجة الاستسهال في كتابة الشعر بكتاباتٍ نثريةٍ زيَّنَها لهم سابقوهم بأنها شِعرٌ وهي ليست سوى نثر، فظنّوا أنّ نثرَ الكتابةِ عمودياً على الصفحة هو الشعر، وأنّ تسجيعَ الكلمات بين سطرٍ وسطر هو القافية، أو أنّ وزنَ بعض الأسطر على البحور هو الشعر الحقيقي. نعم: جيلُنا الجديد مُضلَّلٌ بالذين خرجوا من حرَم الشعر، أو أصلاً لم يدخلوهُ، وتركوا أو يتركون أعمالاً سهلةً مجانيةً يتأثّر بها أبناء الجيل الجديد على أنّها شِعرٌ وعلى أنّهم لو تمثّلوا بها لأصبحوا شعراء.

 – هل يمكن الحكم على الشاعر من خلال شعره؟

طبعاً. ما قيمةُ شاعرٍ ينفصلُ عن شعره، خصوصاً إذا شعره ابن حياته أو ظلاً لها أو مرآةً لها أو عنواناً لكلّ نبضةٍ فيها؟

 – هل الشعر حقيقة أم هو وسيلة للهرب إلى الخيال؟

الشعر هرَبٌ إلى الخيال حين هو مفتعَل، كما كانت حالتي قبل بلوغِيَ الستّين. أمّا عند بلوغِيَ الستّين واقتبال النعمة بوصول عروس “ربيع الصيف الهندي”، فشِعري بات حقيقة حياتي، وهويّتي، وهديّتي إلى نضارةِ غيابي. قبل “ربيع الصيف الهندي” كان شِعري غَزَلاَ مفتَعَلاً، منذ هذا الكتاب بات شعري شعرَ حُب حقيقيّ.

 –  أنت من مواليد 1948 ماذا تقول للعمر الذي أنت فيه وللقادم من السنين؟

 في مقدّمة كتابي “ربيع الصيف الهندي”، وهي كتبتُها عند بلوغي الستين، ذكرْتُ أنني تصالحتُ مع العمر ولم أعُد أخافُه أو أخشى الآتي من السنوات لأنها هذه ستكون نابضةً بِحبّي الذي لم يعُد لي حياةٌ بدونه. وعن ذلك كتبتُ مقالي “ستّون” (6/12/2008)، ضمنَ زاويتي الأسبوعية “أزرار” في جريدة “النهار” اللبنانية، وختمتُهُ هكذا: “هذا الأُسبوع أَختُم الستّين. أيّها العمر، بيني وبينكَ عهدٌ: إِحفظْ لي نَجمتي، وبالمقابل خُذ مني، لعقْديَ السابع، غِلالاً لا أنتَ تَخجل بِها، ولا أنا أَهدُرُني دون أناقة الستّين. فامنحْني فرصةَ أن أَفي نَجمتي وفائي بوعْدي إياها وعَهدي لَها: بَذْرُ بيادرَ مقبلةٍ تُباركها هي، قدْرَما تَمنحني أنتَ سنواتٍ مقبلةً أُخصِبُها سنابل. أيُّـها العمر، هل تسمعني؟”.

–  هل لشاعرنا علاقة بباقي الفنون، الرسم، الموسيقى، المسرح، والسينما،…؟

 أنا على تواصلٍ متلقٍّ باقي الفنون. لا أرسم، ولا أعزف، لكنني أقرأ اللوحة بمتعة، وأُصغي إلى الموسيقى بشغف، وأُحبّ المسرح وأحياناً أحضر أفلاماً ذات وقْع. غير أنّ كل ذلك يكون بإيقاعٍ متّزن لا يأخذُ الكثير من وقتيَ الآخر خارج انصرافي إلى الكتابة والقراءة.

 – ماذا يعني لك الحب، القلم، الوطن؟

 الحبُّ عنواني إلى الحياة. القلمُ ضوئي إلى الكتابة. الوطنُ أرضي وسمائي إلى الغد الدائم.

 – ما الذي لم تقُلْهُ بعد في حياتك حتى الآن؟

 ما أتمنّى أن أقوله للحياة، وقد لا أفيها مهما قلت: شكراً لها على النعمة التي أهدَتْني إيّاها بلقاء حبيبتي.

 –  ماذا تُهدينا إن طلبنا منك هدية شعرية؟

أُهدي قرّاء “رادار- نيوز” هذه الثنائية التي ختَمتُ بها كتاب “ربيع الصيف الهنديّ”:

          كَـم حياةً عَبَرْتِ… حتى تَعَلَّمْـتِ تُحبّينَني بِـهذا الحنانِ

          بِرِضى الأُمّ تَغْمُرين وُجودي… وبِنَبْضِ الجديدِ  سَكْبَ بياني

حوار: عماد جانبيه

Previous Story

اذاعة صوت المحبة تقدم المسرحية الغنائية الإستعراضية للأب فادي تابت

Next Story

جمال الحاج نقيباً لنقابة اختصاصيي علوم مختبرات الأسنان في لبنان

Latest from Blog