القضية فيها وما فيها

341 views
27 mins read

تعلمت من الشيخ ابي حمد الحرفوش حكمتين: حكمة التأني وحكمة الصبر، قال: “كان ذياب ابن مرة احكم اهل زمانه، ومع ذلك تمنى ان تكون رقبته طول رقبة الجمل، حتى اذا ارد ان يتكلم، كان بامكانه ان يفكر قليلاً قبل ان يصل كلامه الى لسانه، حتى اذا وجده غير مناسب اعاده الى بطنه”.

 

وفي موقف تعزية بشاب وحيد، تحدّت الشيخ ابو حمد فقال: “عاش في ما مضى رجل اسمه “بو علي” شيبوب، اشتهر في بلاد الشوف بصبره وحكمته، حتى قيل: ما صبر صبر ايوب الا بو علي شيبوب”.

 

فقد كان ابنه الوحيد “علي” فارس الفرسان وزينة شبان ذلك الزمان، الا ان الله استرد منه “امانته” وهو ما يزال في شرخ الشباب. 

وقبل ان يمر اسبوع على وفاته حضر وفد من اجاويد جبل الدروز للمجابرة والاخذ بالخاطر، فقيل لهم ان الشيخ انا علي موجود عند نسيب باشا جنبلاط، فقفلوا متوجهين الى دار المختارة. 

وعندما وصلوا ودخلوا، حيّوا صاحب الدار، وصابحوا الحاضرين والسامعين، ثم اقبلوا على الشيخ ابي علي معزين، فقال كبيرهم: “عز علينا يا شيخ “بو علي” كسر خاطرك بفقد سندك وولدك الوحيد، زينة الشبان وفارس الفرسان، ونحن عليم الله “قاصدين” لتقديم واجب التعزية، لانك من اجاويد الرجال والاجاويد “بتنفقد”. 

فاجاب الشيخ بو علي: “انا لا استحق “عناكم” ويكفيني رضاكم، وابني واحد من شبان الطائفة، وهو للطائفة وليس لي، وقد خسرته الطائفة، وانا واحد من ابنائها مثلكم، وها اناذا الان جئت اعزّي زعيم الطائفة به، فاذا كان لا بد من تقديم التعازي فالى نسيب باشا بالذات”. 

عاش ابو حمد الحرفوش سنواته الاخيرة في مزرعة “برغز” التابعة لحاصبيا. وحدث سنة 1935 ان اظهرت في لبنان عصابة خطيرة، يقودها رجل اسمه فؤاد علامة. 

تولى فؤاد علامة هذا قطع الطرق وتشليح المارة، الا انه كان يعامل النساء بكل احترام، وقيل انه كان يأخذ من الاغنياء ويعطي الفقراء حتى احبه الناس، وتناقلوا اخباره بشغف ممزوج بالخوف ونسجوا حوله الاساطير. 

وحدث ذات يوم، ان رابط فؤاد علامة، قرب جسر الخردلة، واوقف عدداً من السيارات، واستولى على اموال ركابها، ثم توغل في الاحراج المجاورة. 

وهب رجال الامن الى تطويق تلك المنطقة، بحثاً عن فؤاد علامة، واخذوا يستجوبون سكان القرى والمزارع المجاورة، ولا سيما الدروز منهم، لان فؤاد علامة كان درزياً، ولذلك جيء بصديقنا ابي حمد، مع بعض سكان مزرعة برغز، الى حيث تولى التحقيق معهم احد المحققين. 

سأل المحقق ابا حمد قائلاً: “هل رأيت فؤاد علامة او عرفت عنه شيئاً؟” فاجاب بالنفي. 

ثم ساله: “واذا عرفت عنه شيئاً في ما بعد، فهل انت مستعد ان تخبر السلطة عنه؟”. 

فتريث الحرفوش قليلاً ، ثم اجاب: “القضية فيها وما فيها”… فثارت اعصاب المحقق ولم يمهل ابا حمد لشرح وجهة نظره وبيان رأيه، بل امر حالاً بتوقيفه على ذمة التحقيق، بتهمة كتم معلومات. 

وعندما افرج عنه، بعد عدة اسابيع، ذهبت للسلام عليه ولمته بقولي: “سامحك الله، يا شيخ ابا حمد، اما تذكرت حكمة ذياب ابن مرة، الذي تمنى ان تكون رقبته طول رقبة الجمل، لكي يقدر ان “يزين” كلمته قبل ان تصل الى لسانه، فقد تسرعت بالجواب مع انك من اصحاب الرأي والتبصر. 

فمشط لحيته باصابع يده واجاب: ” اذا وقع القدر عمي البصر”.

فقلت: “وهذه حكمة ثالثة اتعلمها منك”.

“اذا وقع القدر عمي البصر” وهذا المثل معروف عند الذين يؤمنون بالقدر، او “المقدر” – بلغة العامة – الا ان قليلين يعرفون اصل هذا المثل وقصته:

يقول الشيخ ابو حمد الحرفوش، ان سيدنا سليمان عليه السلام، الذي اعطاه الله عز وجل موهبة التكلم مع الطيور وفهم لغاتها، كان قد صادق نسراً عظيماً، هو ملك طيور زمانه، وكان يركب بين جناحيه، فيطير به فوق اجزاء مملكته، كلما اراد التنزه او الاستكشاف. 

وفيما كان النسر محلقاً به في احد الايام، سأله عما يرى تحته، فقال سليمان: “اني ارى هيكلي العظيم والناس يدخلون ويخرجون”. 

ثم حلّق به عالياً وسأله مرة ثانية عما يرى، فقال: “اني ارى مدينة القدس مثل رجمة من الحجارة، ولا اميز هيكلي من سواه”.

ثم انطلق النسر الى اعالي الجوّ وسأله عما يرى، فقال سليمان: “اني لم اعد ارى شيئاً” فضحك النسر وقال: “ولكنني ارى كل شي على وجه الارض، الى درجة انني ارى الآن، فيما ارى، بالقرب من احدى الاشجار في جبل الزيتون، نملتين تتقاتلان على حبّة من الحنطة”. 

فقال سليمان: “لا للعجب! أيمكن ان يكون هذا ممكناً، أنزلني اذن هناك لارى بعيني فأصدق كلامك”.

فهبط النسر بسليمان الى حيث اراه النملتين وحبّة الحنطة التي كانتا ما تزالان تتنازعانها تحت شجرة الزيتون فزهل سليمان واخذ يثني على صديقه النسر ويهنئه على ما حباه الله به من مميزات دون سائر المخلوقات، فجعله بحق سيّد الجو وملك المجنحات. 

فرنّح الغرور عندئذ اعطاف النسر واخذ يختال تيها واعتداداً، ولم ينتبه لشرك كان منصوباً امامه، فلم يلبث ان وقع فيه وصاح: “بالله عليك انقذني يا صديقي العزيز”. 

فابتسم سليمان وقال له: “كيف قدرت، وانت في اعالي الجو، ان ترى النملتين وحبّة الحنطة، ولم تقدر الآن، وانت على الارض، ان ترى هذا الشرك المنصوب امامك”؟

فاجاب النسر: “اذا وقع القدر عمي البصر” وجرى كلام النسر مثلاً منذ ذلك الزمان.

Previous Story

جمال محمد الحاج النقيب المنتخب لنقابة اختصاصيي علوم مختبرات الأسنان في لبنان

Next Story

عناوين صحيفة النهار

Latest from Blog