شروط بناء الدولة في المرحلة الراهنة – بقلم: المحامي وليد بشير عيتاني

118 views
28 mins read

رادار نيوز – اشتعلت الاحتجاجات في جميع أنحاء لبنان على مدى الأيام الماضية بسبب الضرائب الجديدة المقترحة، رغم تأكيد رئيس الوزراء سعد الحريري بأن حكومته ستعمل على حل الأزمة الاقتصادية في البلاد.

يطالب المتظاهرون بإصلاح شامل للنظام السياسي في لبنان، كما يطالبون بعدم تطبيق التدابير التقشفية للحكومة وإصلاح البنية التحتية السيئة في البلاد.
تشغل كل طائفة من الطوائف الرئيسية منصبًا في الحكومة، يجب أن يكون الرئيس مسيحيًا مارونيًا، ورئيس الوزراء مسلمًا سنيًا ورئيس البرلمان مسلمًا شيعيًا.

لأن منطق بناء الدول وشروطها مختلف وتلزمه آليات أخرى يجب توافرها. فالدولة الطائفية هي المُنتج الشرعي للمنظومة الطائفية. إن التعاطي مع رعايا الطوائف من رؤوس طوائفهم كأتباع وليس كمواطنين، شكّل بداية المشكلة، والتي جرى استكمالها بتعاطٍ سياسي هو نفسه من قِبل المكونات السلطوية، الممثّلة لطوائفها ومذاهبها، وعلى ذلك، أصبحت علاقات التبعية هي المحدّدة لنمط التركيبة الوظائفية لأيّ كيان أو هيكل أو نظام. فالمنظومة الطائفية تبني دولة تشبهها، تفصّلها بناءً على وظائف ونمط علاقات تستفيد منها مكوناتها كافة،

على الرغم من تناقضاتها، وتفاوت رؤاها حيال بعض القضايا. إن منطق الدولة القائمة في لبنان منذ الاستقلال وحتى اليوم هو نفسه. فتلك العلاقة البنيوية القائمة من خلال التركيب الوظيفي لهياكل الدولة تلبي، وبوضوح، حاجات ومصالح تحالف قوى الطوائف والمذاهب والبرجوازيات المحلية، ولاحقاً أصحاب الرأسمال المعولم. أمّا المواطن، فقد شكّل تلك الحلقة المستلبة إرادتها والمعطّلة، بحكم الانتماء ونمط الاستتباع الذي ربطته بها تلك المنظومة.

وعليه، تصبح عملية فهم وتفكيك تلك المنظومة والدعوة إلى تغييرها واضحة؛ فإذا كانت الدعوة من خارجها، فهي إذن للتبديل وليس للتغيير أو الإصلاح، وإذا كانت من داخلها، فهي إعادة تكوين السلطة وتوزيع المصالح وفق حسبة جديدة ومستجدّة بين أطرافها، تضيف إلى هذا وتأخذ من ذاك لا فرق، لكن لا تلغي أحداً من مكوناتها، بغض النظر عن حجمه أو دوره.

فبناء الدولة الطائفية بنمط علاقاتها لا يبتعد كثيراً عن شكل العلاقات التشاركية بين مكونات ذلك البناء وأصحابه ومصالحهم، وعليه، تصبح تلك العلاقة هي المحددة لطبيعة الدولة المنشودة، والتي لا تراعي أيّ اعتبار خارج تلك الدائرة. فالطوائف والمذاهب وممثلو البرجوازية ورأس المال وتحالف هؤلاء جميعاً ونمط مصالحهم، لا تقوم إلّا على الولاء للآخر الذي، وفي كثير من الأحيان، هو الخارج الذي يمتلك سلطتي القوة والمال، فتصبح الإدانة في ذلك الولاء نموذجاً ثنائي الأبعاد: داخلياً لبسط السيطرة والنفوذ وتأمين الرعايا، وخارجياً من أجل الحماية والرعاية واستكمالاً للتبعية.

إن من شروط بناء الدولة هو وجود نظام سياسي بمكونات ومشروع واضح وبُنى اقتصادية منتجة. وبين هذين الحدّين تتحدد الأطر والسلوكيات الواجب استخدامها، وهذا يعني، في هذه الحالة، المؤسسات والسياسات بالإضافة إلى القوى. وعلى ذلك البناء يمكن فهم نوع الدولة التي يجب بناؤها، والذي بطبيعته وجوهره سيكون نتيجة لموازين القوى وبرامجها المتشكلة من طبيعة القوى المُؤَلفة للسلطة الحاكمة وأهدافها السياسية، سواء من خلال مشروعها السياسي أو من خلال شبكة تحالفاتها التي تتقاسم معها المشهد.

إن هدف قيام الثورة الوطنية هو في الأساس لبناء نظام وطني؛ فالثورة تقوم على إحداث تغيير في بنية بالية ومستهلكة وظيفياً؛ فإذا كانت في وجه الاستعمار فهي إذن لفكّ التبعية وبناء النظام المستقل خارج دائرة تلك التبعية وشروطها وممارساتها. وإذا كانت في وجه الاحتلال، فهي للتحرير، وبقوة السلاح، من إمبرياليّ محتل، بقصد دحره وتأسيس دولة وطنية مناقضة لمنطق الاستزلام والاستسلام. وفي كلتا الحالتين، يجب أن يكون النظام السياسي، الذي سيحكم، هو الناتج الطبيعي، والمؤلّف من قوى تشاركت المرحلتين ببرامجها وبالسلوك الذي تمّ التعبير عنه. وعلى ذلك سيتكون شكل الدولة الناتجة والحاكمة، المعبّرة بوضوح لا لبس فيه عن أهدافها وبرامجها ونمط علاقاتها.

لم يكن تطبيق الديمقراطية اللبنانية المتعددة الديانات منذ البداية في لبنان “فعلا جيدا”. ففي كل مرة اختلفت فيها المجموعات، استعانت بداعمين من الخارج “كقوة حامية” لتقديم المساعدة من أجل فرض مصالحها السياسية الداخلية ضد الآخرين. وعلى هذا النحو تحولت هي في الغالب إلى كرة لـ”القوى الحامية” الأجنبية مثل السعودية وسوريا وايران أو دول غربية مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. وبموازاة ذلك أنشأت كل مجموعة دينية منذ البداية أحزابها الخاصة وبنية محسوبية اجتماعية إلى حد أن بعض الظواهر المعهودة في المنطقة مثل الفساد والمحسوبية قد تضاعفت بالمقارنة مع بلدان عربية أخرى لديها قيادة موحدة. كما أن لبنان واجه إلى جانب حرب أهلية وعقود من الهيمنة السورية موجات هجرة كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين والسوريين إضافة إلى مواجهات عسكرية مع العدو الاسرائيلي.

Previous Story

جمال الروح – ريما فارس

Next Story

taxi

Latest from Blog