/

النموذج الصيني: من طرف العالم إلى قلب الحدث – عباس منذر

55 views
27 mins read

رادار نيوز – لطالما اعتُبر الفكر الصيني نموذجًا غامضًا بالنسبة لكثير من الباحثين والمفكرين في العالم، ويظهر ذلك بوضوح عبر العدد القليل من المراجع والأبحاث التي تناولت التجربة الصينية، ومما لا شك فيه أن الفكر السياسي والاجتماعي للصين لم يُعرف بشكل جدي من قبل المفكرين والفلاسفة خارج الصين إلا حديثًا.

يعود السبب الأساسي للاهتمام الحديث بالفكر والتجربة الصينيتين إلى عدة تطورات أهمها:

– تطور الاقتصاد الصيني الذي أصبح يُعتبر ثاني أكبر إقتصاد بالعالم بعد الولايات المتحدة الأميركية، وما رافقه من غزو للعالم من قبل المنتجات الصينية.

– التطور التكنولوجي الصيني، خصوصًا في مجال المعلوماتية والشبكة العنكبوتية، وهو الأمر الذي دفع الإدارة الأميركية إلى إعتبار الصين المنافس الأول لها في مجال الجيل الخامس من الاتصالات، الذي بدأ العالم بالتحضير لاستقباله في الأسواق.

– قوة الحضور الصيني في القارات الخمس على عدة صعد وطرحها لمشاريع قارية كان أكبرها مبادرة “الحزام والطريق”، إضافة إلى أن ميزة هذا الحضور والتمدد القائم هي السلاسة والسلمية دون تسجيل أي مشاكل تذكر مع الدول أو أي مخالفة للقوانين الدولية.

– طريقة الصين في مواجهة جائحة كورونا التي غزت العالم مؤخّرُا، عبر القدرة التنظيمية الهائلة لمواطنيها في مجتمعاتهم، والإتزام الحديدي بالاجراءات والقوانين والقرارت، الأمر الذي جعل من الصين الدولة الأولى في العالم التي تتخلص من الجائحة على أراضيها.

كل هذه الأسباب وغيرها جعل من الصين مركز جذب للمتابعة والدراسة كنموذج فكري سياسي وثقافي، لذلك نتناول في سلسلة مقالات موضوع التجربة الصينية على صعيد الثقافة والقيم والسلطة كأركان أساسية ارتكزت عليها الصين في نموّها.

تُعرف الصين رسميًا بإسم “جمهورية الصين الشعبية” وعاصمتها “بكين”، وعلى الرغم من وجود تسعة أحزاب فيها، إلا أنها تعتمد نظام الحزب الواحد وهو الحزب الشيوعي، مع سيطرة الحزب الحاكم على باقي الأحزاب الثمانية الأخرى الصغيرة.

وبالنسبة للتقسيمات الادارية، تتميز الصين بأنها مجموعة من المقاطعات والبلديات تختلف فيما بينها بطريقة إدارتها، فهي تتألف من 23 مقاطعة، 5 مناطق ذاتية الحكم، 4 بلديات مركزية، ومنطقتان إداريتان خاصتان.

على طرف العالم تستقر الصين، فهي تقع في النصف الشرقي من الكرة الأرضية، والجزء الشرقي من قارة آسيا، والساحل الغربي من المحيط الهادئ، تبلغ مساحتها 9.6 ملايين كيلو متر مربع، إذ أنها تأتي في المركز الثالث في العالم من حيث المساحة بعد روسيا وكندا.

هذه المساحة الكبيرة جدًا أعطت للصين مميزات عديدة، لأن امتدادها من داخل قارة آسيا إلى شواطئ المحيط الهادئ، جعلها تحتوي على تضاريس ومناخات متنوعة، تمتد من أعلى قمة جبل في العالم وهي قمة “تشومولانغما” في جبل “إفرست” وصولاً إلى شواطئ السواحل المطلة على المحيط الهادئ، مع مجموعة كبيرة جدّا من الجزر يصل عددها إلى 5400 جزيرة، إضافة إلى جعلها دولة غنية بالموارد الطبيعية كالفحم، خام الحديد، النفط، الغاز الطبيعي، الزئبق، القصدير، المنغنير وغيرها الكثير… مع امتلاكها لأضخم طاقة كهرومائية في العالم.

 لعل الصفة الأولى التي تخطر على بال أي شخص عند ذكر الصين هي الضخامة بعدد السكان، إذ يسكن فيها أكثر من مليار وربع المليار نسمة بمعدل نمو سكاني يقارب الـ 0.59%، ويتألف مجتمعها من قوميات متعددة يقدر عددها بـ 55 قومية تتوزع على مختلف مناطق الدولة، يعتنق الغالبية منها الشيوعية إضافة إلى معتقدات أخرى تشكل أقليات كالطاوية والبوذية والمسيحية والإسلام، كما تختلف اللغة المستعملة من قبل القوميات مما يوجد لغات متعددة داخل الصين إلى جانب اللغة الصينية الأساسية.

من الناحية الاقتصادية يُعتبر الـ “يوان” العملة الرسمية المعتمدة في الصين، ويبلغ إجمالي الناتج المحلي في الصين حسب إحصائيات العام 2020 حوالي 14.6 تريليون دولار، ما يجعلها ثاني أكبر إقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية، مع اختلاف تقييم الترتيب بين بعض المحللين الاقتصاديين، إذ أن البعض يعود في تقديراته إلى اختلاف قيمة وقدرة العملة الوطنية داخل الصين والولايات المتحدة مما يجعل من الصين برأيهم القوة الاقتصادية الأولى في العالم.

يشكل عدد السكان الهائل، إضافة إلى المساحة الجغرافية الكبيرة، إحدى أهم عوامل القوة الاقتصادية التي تتميز بها الصين، ما يجعل عملها لتأمين الكفاية اللازمة لسكانها عملية ضخمة تدفع اقتصادها للتطور والنمو السريعين.

كل هذه المميزات لا يمكن أن تشكل عامل قوة ونمو لأي دولة فيما لم تُستغل بطريقة علمية وواعية، وهذا ما فعله الصينيون حتى وصلوا إلى القوة التي تتمتع بها دولتهم حاليًا، ولعل أبرز وأهم المرتكزات التي اعتمد عليها الشعب الصيني هو المرتكز الثقافي الذي سنتناوله في مقالٍ لاحق، وهو الأمر الذي نقل الصين من دولة على أطراف العالم إلى أمة عظيمة دخلت إلى قلب الأحداث العالمية من بابها الواسع.

 

Previous Story

التحولات المشرقية والفرص التي تنتظر مَن يبادر – غالب قنديل

Next Story

فبركة الأخبار الكاذبة – عبد الهادي محفوظ

Latest from Blog