/

لبنان على شفير الإنهيار حان الوقت لإنقاذه

140 views
49 mins read

ما يحدث في لبنان ليس مفهومًا، على مدى عامين وحكومتين متتاليتين منذ البداية، واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية في التاريخ والتي نجمت عن سوء الإدارة والفساد، لم يتم اتخاذ أي إجراء تصحيحي فحسب، بل تم اتخاذ تدابير عكسية أدت إلى تضخم الأزمة.

الاتفاق الأخير على مستوى الموظفين مع صندوق النقد الدولي يوفر لأول مرة بصيص أمل. حيث انه يغطي مجموعة واسعة من الإصلاحات المحتملة، لكنه ليس برنامجًا للاصلاح الوظيفي. وكما عبرت مجموعة غولدمان ساكس غروب انك (Goldman Sachs Group Inc)، في تقييمها، فإن “اتفاق مستوى الموظفين هذا هو بمثابة تحفيز للطبقة السياسية اللبنانية على العمل أكثر من كونها وعدًا بمساعدة مالية على المدى القريب”. وبهذا المعنى، فهو تطور إيجابي. ومع ذلك، يجب تقييم مجموعة الإصلاحات المقترحة بعناية للتأكد من أنها تتماشى مع انتعاش اقتصادي ومالي دائم ومستدام وحماية الركائز الثلاث الرئيسية التي كانت أساس ازدهار لبنان، مدعومة بإطار اقتصادي كلي مفصل لم يتم وضعها بعد، بما في ذلك جدول زمني واضح لتنفيذ الإصلاحات المالية، والنقدية، وسعر الصرف، والإصلاحات الهيكلية واسعة النطاق. وبالتالي، وكما أشار مسؤول حكومي، لا يُتوخى اتخاذ إجراءات فورية، لا سيما في انتظار الانتخابات النيابية وتشكيل حكومة جديدة لاحقًا.

بسبب الافتقار إلى الإصلاحات والسياسات التي تؤدي إلى نتائج عكسية، تم تدمير الاقتصاد اللبناني بشكل فعال. تراجعت قيمة الليرة اللبنانية، وتضرر النشاط الاقتصادي، وارتفع معدل البطالة، وارتفع معدل التضخم، وتقلصت المداخيل بشكل كبير، وأصبحت إمدادات الكهرباء متقطعة، وهناك نقص كبير في السلع الأساسية والوقود والأدوية، بالاضافة إلى هجرة العقول التي تدعو إلى القلق، وتشير التقديرات إلى أن نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر قد تضاعفت، وانخفضت احتياطي لبنان من النقد الأجنبي بأكثر من 20 مليار دولار في العامين الماضيين فقط.

هذه الخسارة في الاحتياطي تزيد عدة مرات عما يمكن أن يتوقعه لبنان على مدى السنوات الأربع المقبلة من المؤسسات الدولية والجهات المانحة إذا كان سيضع اليوم برنامج الإصلاح والإصلاح الهيكلي الأكثر شمولًا وصرامة لتصحيح الوضع.

لقد ازدهر الاقتصاد اللبناني لسنوات عديدة منذ الاستقلال في عام 1943 وتخطى العديد من الصدمات الاقتصادية والسياسية والإقليمية والدولية: (1) من خلال كونه من أوائل الدول في العالم التي اعتمدت نظام صرف عائم موحد يحدد السوق، ( 2) من خلال إقامة نظام مصرفي ملهم للثقة، و (3) من خلال الحفاظ على التجارة الحرة وأنظمة حساب رأس المال.

ستكون هذه الركائز الثلاث ركيزة أساسية في تعافي لبنان، كعناصر أساسية في الاقتصاد الكلي الشامل والإصلاحات الهيكلية. ومع ذلك، فإن التدابير التي تؤدي إلى نتائج عكسية منذ بداية الأزمة ومقترحات السياسة الأخيرة قد دمرت هذه الأسس البدائية، والتي يمكن أن يكون لها آثار ضارة طويلة الأمد وربما تعزز الصراع الأهلي.

تدمير سعر الصرف

تم التخلي عن سعر الصرف العائم المحدد في السوق في عام 1997 واستبداله بسعر ثابت أعلى من قيمته الحقيقية يبلغ حوالي 1500 ليرة لبنانية لكل دولار أمريكي. للحفاظ على ذلك، تم تبني سياسة سعر الفائدة المرتفع المصممة لجذب الودائع بالعملات الأجنبية والتي تم استخدامها بدورها لتمويل اختلالات القطاع الخارجي، والتي تفاقمت بشكل متزايد بسبب العجز الكبير في الميزانية الممول من خلال الاقتراض من الخزينة. أدى ارتفاع الدين الحكومي والاختلالات الخارجية إلى فقدان النقد الأجنبي وتآكل الثقة وما تلاه من انخفاض في تدفقات رأس المال وزيادة تدفقات رأس المال الخارجة مما أدى إلى الانهيار السريع لسعر الصرف الثابت وظهور عملة أجنبية موازية.

سوق الصرف

بدلًا من اتخاذ إجراءات تصحيحية، لجأ البنك المركزي إلى إدخال تعسفي لأسعار صرف ثابتة متعددة حتى مع انخفاض سعر الصرف الموازي، مما أدى إلى محو أكثر من 90 في المائة من قيمة الليرة اللبنانية. أدى تعدد المعدلات إلى انتشار المضاربة والتهريب والنقص والتضخم المفرط وتآكل الثقة.

تدمير النظام المصرفي

كان النظام المصرفي في قلب الأزمة من خلال ما أصبح يعرف باسم “الهندسة المالية” أو “مخطط بونزي“. منذ عام 1997، وضعت الحكومة ومصرف لبنان والبنوك التجارية سياسة سعر فائدة عالية تتجاهل كل معنى اللوائح الاحترازية. ركزت البنوك أصولها المحلية على أذون حكومية ذات فائدة عالية وأصولها من العملات الأجنبية في ودائع ذات فائدة عالية في مصرف لبنان، متجاهلة أي مبدأ لتنويع المحفظة.

وقد مكّن ذلك البنوك من دفع فائدة عالية نسبيًا لعملائها، مع كسب فوائد أعلى على أذون الحكومة وودائع مصرف لبنان – وبالتالي جني أرباحًا عالية وتحويل الموارد بعيدًا عن دور الوساطة في تعزيز الاستثمار والنمو المحلي مع تعريض ودائعهم للخطر. عملاء في الوقت ذاته، أدى ارتفاع أسعار الفائدة إلى اتساع العجز الحكومي بالإضافة إلى ارتفاع الخسائر شبه المالية في مصرف لبنان.

عندما أدى عبء الديون المرتفع على الحكومة وتزايد الاختلالات الخارجية إلى فقدان الثقة، بدأ انخفاض تدفقات رأس المال الأجنبي وزيادة تدفقات رأس المال الخارجة في استنفاد احتياطيات مصرف لبنان من النقد الأجنبي، والتي اعتمدت بشكل كبير على ودائع البنوك بالعملات الأجنبية. أدى الإدخال اللاحق للقيود العشوائية على حسابات المودعين، والذي يستمر حتى اليوم، والتضخم المفرط إلى فرض “تخفيضات” ضمنية ولكن حقيقية على المودعين وأدى إلى تآكل أي ثقة متبقية في النظام المصرفي.

بدلًا من أن تتحمل الحكومة ومصرف لبنان والبنوك مسؤوليتها عن الخسائر الناتجة عن “مخطط بونزي” الذي انخرطوا فيه، يتم الآن تصميم التدمير الكامل للنظام المصرفي من خلال تحميل المودعين الجزء الأكبر من عبء الخسائر من خلال “التخفيضات” المقترحة مؤخرًا، سواء كانت صريحة أو ضمنية من خلال التخفيضات المباشرة، وتجميد الودائع على مدى سنوات عديدة، وتحويل الودائع بالدولار إلى ليرة لبنانية بمعدلات غير مواتية متعددة. سيكون هذا هو المسمار في نعش النظام المصرفي المحتضر، حيث لن يثق به أحد مرة أخرى بأموال حصل عليها بشق الأنفس.

تدمير حساب رأس المال

إن قانون ضوابط رأس المال المقترح غير مفهوم. إنه مزيج غريب من القيود المفروضة على عمليات سحب الودائع المصرفية والرقابة على تدفقات رأس المال الخارجة وكذلك على بعض معاملات الحساب الجاري، مع منح تقدير للجنة لا يتمتع بعض أعضائها بالثقة.
بشكل عام، ضوابط رأس المال على تدفقات رأس المال الخارجة ليست حلًا ولا تعمل وتكلفتها عالية. أظهرت الأبحاث الاقتصادية أن ضوابط رأس المال على التدفقات الخارجة تساهم في الحد من الانضباط المالي والنقدي، وتؤدي إلى تشوهات تؤثر سلبًا على النمو والتوظيف، وتثبط الاستثمار، وترفع تكاليف التمويل، وتثبط تدفقات رأس المال، ولا تتحكم بشكل فعال في التدفقات الخارجة، وتؤدي إلى ظهور إلى سوق موازية بمعدل استهلاك أكبر، وتعزيز الفساد. إن قانون ضوابط رأس المال المقترح لن يؤدي إلا إلى تفاقم الوضع الصعب بالفعل.

بدلًا من تدمير الركائز الأساسية الثلاثة للاقتصاد اللبناني من خلال محاولة التلاعب أكثر في سعر الصرف، وفرض “تخفيضات” على المودعين من شأنها تقويض النظام المصرفي بشكل دائم، والسيطرة على الودائع ومعاملات الحساب الجاري وتدفقات رأس المال، فإن الحكومة يجب أن تركز على وضع وتنفيذ برنامج إصلاح شامل للاقتصاد الكلي وإصلاح هيكلي من شأنه أن يلهم الثقة، ويعيد الاستقرار المالي، ويعالج الاختناقات الهيكلية، ويحسن الحوكمة والشفافية، ويضمن الانتعاش المستدام. ولكن لا يمكن تفصيلها بشكل هادف إلا على أساس تدقيق مستقل وشفاف للنظام المصرفي، وليس على أساس أرقام افتراضية.

يجب أن يعتمد مثل هذا البرنامج على حماية هذه الركائز الثلاث – سعر صرف عائم موحد يحدده السوق، ونظام مصرفي ملهم للثقة، ونظام للتجارة الحرة وحساب رأس المال – التي خدمت البلاد بشكل جيد. سوف يستقر سعر الصرف الموحد العائم عند توازن يمنع التشوهات وفقدان الاحتياطيات، وسيكون النظام المصرفي قادرًا على حماية الودائع وتلبية طلبات السحب بالعملة المحلية بسعر الصرف الموحد، وعودة الثقة التي تعكس إصلاحات ذات مصداقية سوف يغني عن الحاجة إلى ضوابط ضارة برأس المال.

في هذا السياق، سيكون دعم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مفيدًا في استعادة المصداقية المحلية والدولية وكذلك في حشد المساعدة المالية المطلوبة.

والحكومة ملزمة بالتفاعل بشكل عاجل بمسؤولية وبشفافية كاملة مع المؤسستين لضمان أن يعكس هذا البرنامج الشامل والعملي الحقائق على الأرض ويلبي تطلعات الشعب اللبناني. إن الاتفاق الواسع على الإجراءات المحتملة، دون إطار تشغيلي مفصل، ليس كافيًا.

Previous Story

رابطة رجال الأعمال و«بزنس فرنسا» تبحثان فرص الاستثمار

Next Story

بيروت تواجه” تدعي على مجهول

Latest from Blog