///

اللبنانيون أحصنة رهان المزاج السياسي – عماد جانبيه

517 views

لم يعرف لبنان من قبل هذه الحالة من البطالة السياسية. حكومة الوكلاء عن زعماء الطوائف تستحق أن تخاطب بغير إدارة بعض الشؤون الصغيرة. البرلمان هو نسخة موسعة عن برامج الحوارات السياسية الموجهة إلى عواطف الجمهور. لا تواصل بين القوى السياسية الفاعلة. لاوجود لمعارضة سياسية شعبية خارج تجاذبات أطراف الفريق الحاكم. القطيعة كاملة بين الجمهور والدولة. يتفاقم الشعور باليأس من إمكانات تصحيح الأوضاع. الهواجس الطائفية والمخاوف الأمنية والأزمات الاجتماعية معلقة على حدث من خارج المعطيات الداخلية.

صرخات أوجاع اللبنانيين مشتتة. الحوادث الأمنية الفردية، حوادث القتل والسرقة والاعتداءات، الموت على الطرقات. شكوى السجناء وأهالي السجناء ومظالم العدالة. الكهرباء والماء والغلاء وفساد الأغذية والأدوية وتجارة الخدمات. البيئة والمخالفات والنهب المتواصل للمال العام والهدر واستباحة ثقافة الاستهلاك والإعلام المشوّه والاعلان الرخيص والتربية المزوّرة، كل هذا مفرقعات في سماء الجو الطائفي والمذهبي المحموم. يدير الجمهور ظهره لشعارات الإصلاح، لقانون الانتخاب ولمكافحة الفساد ولفضائح المالية العامة ولأي تشريع مدني ولأي حركة مطلبية عامة. المشكلات والمطالب القطاعية لا تلقى التضامن بل غالباً ما تقابل بالعزوف أو بالاستنكار، مطالب السائقين العموميين إلى الأساتذة الثانويين والجامعيين إلى العمال الموظفين. أما حركات الاحتجاج الشعبية المحلية في المناطق والأرياف فتظهر غالباً بصفتها ظاهرات فلكلورية. فلا هم وطنياً زراعياً أو صناعياً أو سياحياً أو تراثياً.

يتصدر المسؤولون في لبنان منابر الشكوى والتذمر مثلهم مثل المواطنين العاديين. تحوّل شباب لبنان في جامعاته إلى أحصنة على المزاج السياسي وشعبية هذا التيار أو الحزب أو الفريق. معظم الشباب اللبناني صار معلباً في التيارات الحزبية الطائفية وثقافته السياسية أسيرة الخطاب الهابط للأحزاب التي ترفع شعارات لا علاقة لها بهموم الناس وحياتهم ومستقبلهم في إطار الدولة والكيان.

لا هيبة للنقابات العمالية لا مصداقية ولا قدرة على إقامة حوار وطني بين أطراف العمل ولا تفاوض محترماً وموثوقاً مع الحكومة حول مطالبها خارج تلك المساومة غير المهمة على زيادة الأجور. لا طرف سياسياً يحتضن هذه المطالب ويجعل منها «سياسة» أي رؤية برنامجية إصلاحية تخدم التوازن الاجتماعي أو التضامن أو التقدم. هناك فصل حاد بين القوى البرلمانية بكل فروعها وأطيافها والحركة المطلبية والشعبية.

هذا الاهتراء وهذا الركود يقابلهما تشنج طائفي ومذهبي يتمحور حول موضوعات «سياسوية» كالسلاح والموقف من الأوضاع في سوريا. يمكن للحركات الطائفية المنظمة الممولة والمسلحة أن تحرك الشارع وأن تتصدر الأحداث والأخبار وأن تفرض مطالبها على جدول أعمال البلاد كلها. تستطيع هذه الحركات أن تقطع الطرق وأن تتظاهر وتضرب وأن تمنع أو تفرض عملاً أو قراراً.

في خلفية هذا المشهد ضمور لفكرة الدولة كمرجع وضمور في فكرة النظام كأداة لمعالجة قضايا الناس. في أعماق الوعي الشعبي شعور بضعف التأثير في واقع محكوم بقرار اقليمي ودولي يعبر عن نفسه في سلطة القوى الطائفية. وفي أعماق الوعي الشعبي شعور بأن البلاد كما المنطقة المحيطة قد دخلت في صراع الهويات الاثنية الشعبي والمذهبية وفي لجج الصراعات الدينية تحت سلطة الدول المالكة للسلاح أو المال.

في جميع المناطق اللبنانية دون استثناء يتردد السؤال عن مصير الجماعة لا عن مصير لبنان. فرضت التطورات عمداً أو بغير عمد مرة اخرى على الناس قضية أمنها. يحاصر المواطن بهوية لم يسأل في اختيارها وتفرض عليه تحديات ليس ملزماً بإرادته أن يواجهها. هناك دائما «الطرف الآخر» أو الخطر الآخر. السلاح لدى الآخر والمال والادارة والنفوذ والتحالفات والدول الداعمة والجغرافيا والملكية العقارية والشركات، والعدد السكاني والمفاصل الأمنية والتهديد السياسي والإعلام المسيطر والمؤسسات والمراجع الأمنية. تراجعت المشتركات بين اللبنانيين بأكثر مما نتخيل. الحلقات والمنتديات المتنوعة قليلة وهشة وموبوءة الجامعات والمدارس والمصانع والشركات وحتى الهيئات الثقافية مطبوعة بهويات سياسية مذهبية. ليس هذا التنوع أو التعدد  هو مصدر الشكوى بل سلطة الإقصاء والإلغاء وثقافة التكفير والتحريم والتخوين والتجريح والتشويه. تضمحل الثقافة الوطنية والمدنية لمجرد تنامي الثقافات الفرعية. التي تؤكد على الخصوصية وتحتكر لنفسها الصفات الفضلى. يلعب الإعلام الدور الأكثر خطورة في تكوين صورة الآخر، الإعلام الفئوي الموجه إلى جمهور فئوي يؤدي وظيفة مزدوجة في تقوية لحمة الجماعة وتماسكها وانفرادها وانفصالها عن الآخرين.

ليس صحيحاً القول إن فئة، أياً كانت، تنتظر التحول الإقليمي لتحسم مصير لبنان ليس من فئة لبنانية قادرة وحدها على ذلك. يعلم جميع الأفرقاء أنهم ليسوا مؤهلين لتكوين هيمنة على هذا الكيان وهذه الدولة. ما يستطيعونه لا يتعدى ترجيح بعض الخيارات وزيادة بعض النفوذ. لم يشكل الفريقان السياسيان في ما يعرف بموالاة ومعارضة اليوم التنوع الوطني الضروري لينفرد أي منهما بالسلطة. لا تعدو الغلبة ان تكون بتحالف ثنائيات مهما حاول أصحابها إضفاء اللون الوطني عليها.

لا تسهم أزمة سوريا في توحيد الخطاب الوطني والعودة إلى الداخل اللبناني. يستبق الأفرقاء هنا نتائج الأزمة في الرهان عليها. لا يكفي إذاً أن تنشغل سوريا بمشكلاتها عن لبنان وأن توقف تدخلها فيه لكي يجد اللبنانيون لأنفسهم إدارة مستقلة. اللبنانيون بوصفهم جماعات طائفية لا مستقبل لعيشهم معاً. اللبنانيون بسياسة الاستقواء ومشاريع الغلبة لا يمكن أن يبنوا دولة واحدة مستقرة. اللبنانيون بانتمائهم إلى هويات غير هوية المواطنة المتساوية بلا امتياز أو تفضيل لا يمكن أن يأتلفوا على أي هوية أو خيار. فهل يحتاج اللبنانيون إلى مزيد من التجارب أم انهم فعلاً اختاروا العيش في قلق وخطر وعدم استقرار؟!.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

Previous Story

بإصدار جديد مثير “يا معلم”

Next Story

في لبنان: “الدعارة” تنتشر عبر “TikTok” وعائداتها غير متوقعة!

Latest from Blog