رجل في الظلال

147 views
52 mins read

أسرار إسرائيلية في كتاب مدير «الموساد» السابق  إفرايم هاليفي

ظلال الحروب والسياسة

“أنا أدعى إفرايم هالفي. وُلدت في لندن سنة 1934، وترعرت خلال الحرب العالمية الثانية، وخبرت في نهايتها تجربة صواريخ في1 وفي 2 التي انهالت على لندن، مما أدّى في أغلب الأحيان إلى مقتل المئات من السكان المدنيين. سافرت برفقة والديّ إلى ما كان يُعرف حينها بفلسطين في أبريل 1948. وبعد شهر من ذلك التاريخ، ظهرت دولة إسرائيل إلى حيّز الوجود، وعشت طوال حرب الاستقلال كمراهق. وعندما أصبحت في العشرينيات من عمري، عملت كرئيس للاتحاد الوطني للطلاب الإسرائيليين، وقمت بالكثير من الرحلات إلى أوروبا الشرقية، وآسيا، وأفريقيا كممثل له. في العام 1956 أقمت في موسكو وفي براغ، ذلك العام كان بمثابة فترة عاصفة في تاريخ الكتلة الشيوعية. والتحقت بجهاز الموساد في العام 1961 وعملت كمحلل للشيفرة، ومحقّق، ورئيس قسم لغاية العام 1967، عندما أصبحت نائب رئيس شعبة. وبهذه الصفة، كنت عضواً في قيادة جهاز الموساد طوال الأعوام الثمانية والعشرين التالية. وعملت في واشنطن العاصمة الأميركية لمدة أربعة أعوام، كمعاون للسفير إسحاق رابين، والذي أصبح فيما بعد رئيساً لوزراء إسرائيل مرتين. كما عملت في باريس طوال ثلاث سنوات في منصب رفيع، وترأست شعبتين عمليتين لفترة خمس سنوات لكل منهما”.

هكذا يقدم إفرايم هالفي، الرئيس السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي نفسه في “رجل في الظلال”، حيث يتابع سرد سيرته فيقول: “أمضيت سنواتي الخمس الأخيرة قبل أن أتقاعد كنائب لرئيس الموساد. وسافرت في نهاية شهر أكتوبر 1995، قبل أسبوع من اغتيال إسحاق رابين، إلى بروكسل كسفير لإسرائيل لدى الاتحاد الأوروبي. وبعد سنتين وثلاثة أشهر، جرى استدعائي على عجل من قبل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لكي أصبح رئيساً لجهاز الموساد عندما حدثت أزمة. وبذلك أصبحت مديراً لواحدة من أقوى الوكالات الحكومية السرية وأكثرها هيبة في العالم، وخدمت كرئيس للموساد لمدة أربع سنوات ونصف. بشكل عام، لقد عملت في المناصب التنفيذية الرفيعة طوال ثلاثة وثلاثين عاماً”.

يشير هاليفي الى السنوات التي عمل فيها في الموساد، وكيف كان يرى أزمة الشرق الأوسط من الداخل. ويقول: كانت هناك أوقات أخذتني فيها أحداث معينة على حين غرّة، وكذلك أخذت الشعب ككل. وكانت هناك مناسبات عرفت فيها ما سوف يحدث بعد وقت قصير، أو طويل، وقبل أن تكشف تلك الأحداث عن مكنوناتها. كما كان من دواعي اعتزازي المشاركة في القليل من اللحظات التي صنعت التاريخ، والخدمة كأداة لتغيير المشهد العام في المنطقة. رأيت قادة في الأوقات العصيبة، وتعلمت من خلال قيادتهم الكثير عن مواطن القوة والضعف البشري. ورأيت رؤساء يضعفون عندما أصبحت مصائر بلدانهم وحياتهم المهنية في الميزان، ولاحظت وشهدت مآثر تدلّ على الشجاعة والولاء. كما كان من سوء حظي أني عايشت تصرفات اتسمت بالجبن والخيانة. لقد رأيت ومررت بلحظات من الأمل العظيم والحماس، كما مررت بلحظات من اليأس والاكتئاب”.

ويتابع: كنت أحضر اجتماعاً في فترة ما بعد الظهر من يوم 11 سبتمبر 2001 في إسرائيل برئاسة رئيس الوزراء أرييل شارون في قاعة مجلس الوزارة في القدس لبحث مسألة تتعلق بالأراضي الفلسطينية. وأذكر جيداً بأن المناقشات كانت تدور في أجواء هادئة ومنظمة عندما دخلت مجنّدة شابّة الغرفة، وسلّمت ورقة للسكرتير العسكري ولرئيس الوزراء. قرأ الورقة بصمت ثم خاطب جميع من كان في القاعة قائلاً بأنه حدث هجوم من الجوّ استهدف البرجين التوأمين في نيويورك. وعلى الفور، غادرت الغرفة للاتصال بمكتبي ومعرفة إن كان يوجد مزيد من التقارير من أي نوع كانت. وقيل لي بأننا لا نعرف شيئاً يزيد عما تتداوله وسائل الإعلام. لم نتلكأ، وهرع كل واحد منّا إلى مكتبه لجمع أكبر قدر من المعلومات. وفي غضون فترة وجيزة، بدا واضحاً لكل واحد منّا في قمّة الوسط الاستخباراتي بأن أحداث 11 سبتمبر ستكون بمثابة نقاط تحوّل في تاريخ العالم”.

ويروي هاليفي جوانب شخصية وعامة مما جرى بعد ذلك الحدث، فيقول: “مع توالي الساعات، ازداد قلقي على ولدي، الذي كان يعيش حينها في لندن، والذي غادرها صباح ذلك اليوم إلى نيويورك على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية البريطانية. كانت السلطات قد أغلقت مطار جون أف كينيدي، فانتابني القلق وأنا أفكر في المطار الذي حطّت طائرته فيه. ومرّت ساعات طويلة قبل أن أتمكن من تحديد مكانه في واحد من أكثر المطارات انعزالاً والذي تستخدمه الطائرات التي تتجه إلى الولايات المتحدة. ظل معزولاً داخل الولايات المتحدة طوال عدة أيام قبل أن يعود إلى المملكة المتحدة”.

ويعترف هاليفي بأن هجمات سبتمبر كانت هي الحدث الوحيد الذي جعله يشعر بالعجز التام، ويقول: “كانت المعلومات منعدمة، وكان من المستحيل في البداية تقييم الطبيعة الدقيقة للخطر ومداه، وكانت تبعاته على منطقة الشرق الأوسط أكبر وأكثر خطورة من أن يمكن تصوّرها. وأذكر بأنني قلت لأحد الزملاء المقرّبين، بعد يوم أو اثنين من وقوع الحادثة، بأن حرب الشرق الأوسط اخترقت شواطئ القارّة الأميركية وأن الولايات المتحدة دخلت الآن الحرب في منطقة الشرق الأوسط. وهي لن تتمكن من الانتصار على ترابها في هذه الحرب ولذلك ستأتي الولايات المتحدة عاجلاً وليس آجلاً إلى المنطقة وتشتبك مع العدو لكي تفوز في هذه الحرب. لم أكن أعرف كيف سيتم ذلك، ولكنني كنت مقتنعاً بأن هذا التدخل سيحدث على الفور؛ بطريقة أو بأخرى”.

ويعود رئيس الموساد السابق إلى ما يسميه جذور الحدث، فيقول: “كان يوم الاحتفال في العام 1994 بعيد الاستقلال في إسرائيل، وكنت على وشك عبور جسر اللمبي فوق نهر الأردن في طريق عودتي إلى إسرائيل. أمضيت أربعة أيام في الأردن مع زوجتي كضيوف عند جلالة الملك حسين حيث عقدت مباحثات مكثفة معه ومع أخيه، وليّ العهد حسن. لم يعلّق رئيس الوزراء رابين، الذي أعطى موافقته على مهمتي، أهمية كبيرة على هذه الجولة من اللقاءات. فقد كان ينظر إليها على أنها “عملية صيانة”. وحقيقة المسألة هي أن صبره على الملك حسين كان قد نفذ في تلك المرحلة. كان ميّالاً إلى التوصل إلى سلام مع سوريا وكانت جميع جهوده تصبّ في ذلك الاتجاه. أما الأردن فيمكنه الانتظار. وفي هذه الأثناء، ستستمرّ الاتصالات مع الملك الهاشمي بعيداً عن الأنظار.

غير أن المباحثات في الأردن اتّخذت منعطفاً جذرياً. وعندما وصلت إلى الضفة الإسرائيلية من النهر، بتّ مقتنعاً بأننا توصلنا إلى تحديد أطر اتفاق استراتيجي بين إسرائيل والأردن يمكن أن يخدم أيضاً كنقطة انطلاق لو عندما وصلت إلى الضفة الإسرائيلية من النهر، لإعادة تأهيل التحالف الأردني الأميركي التقليدي. كادت هذه العلاقة التقليدية أن تنقطع نهائياً عندما بدا أن الأردن وقف مع صدام حسين في العام 1991 أثناء حملة عاصفة الصحراء التي قامت بها قوات التحالف بقيادة أميركا”.

يضيف: كنت مفعماً بروح إنجاز تاريخي، ولكن زملائي الذين التقوا بي رحّبوا بي حاملين أخباراً كئيبة. ففي صباح ذلك اليوم، وقع هجومان إرهابيان كبيران داخل محطتين مركزيتين للحافلات الإسرائيلية في العفولة وهاديرا، أوقعا عدداً كبيراً من القتلى والجرحى. وفي اليوم التالي، كان مقدراً لإسرائيل أن تحتفل بعيد الاستقلال بعدد كبير من الجنائز. كان الجو كئيباً، وصدرت دعوات قوية للردّ. قررت بأن الوقت غير مناسب لرفع تقرير إلى رئيس الوزراء عن مبادرة سلمية، فهذا أمر يمكنه الانتظار.

في اليوم التالي، عمّ غضب عارم في أوساط الرأي العام الإسرائيلي. وساد اعتقاد بأنه جرى التحضير لهذين الهجومين الإرهابيين في مقرّ حركة حماس في العاصمة الأردنية عمّان. فإذا كان الأردنيون عاجزين عن السيطرة على العناصر المعادية في بلادهم، يتعيّن على إسرائيل القيام بهذا الأمر بنفسها. حتى أن العناوين الرئيسية في الصحف أثارت احتمال دخول إسرائيل في حرب مع الأردن. من الواضح أن التوترات بلغت مستويات مرتفعة”.

يصف هاليفي كيف ازداد الوضع سوءاً في إسرائيل مع مرور الساعات في ذلك اليوم. فيقول: ذهبت لزيارة صديق لي، وتركت رقم هاتفه مع الضابط المناوب. وما إن وصلت حتى تلقيت اتصالاً هاتفياً. كان رئيس الوزراء يرغب في التحدث اليّ. وبعد ذلك بدقيقة، سمعت صوت اسحاق رابين. قال لي إن وزير الخارجية شمعون بيريز قد غادر للتو منزله، وأنهما عازمان على اتخاذ موقف متشدّد جداً حيال الأردن. وأضاف بأن الوضع لا يطاق وأنهما سيتهمان الأردن علناً فور الانتهاء من حفل الاستقبال في عيد الاستقلال في مبنى روز غاردن في وزارة الدفاع، في مؤتمر صحفي يعقدانه عند منتصف الليل. وبالنظر إلى العلاقة الصعبة بين الزعيمين الإسرائيليين، كان ظهورهما المشترك سيبدو حدثاً غير عادي في إسرائيل. كان عليّ الاتصال بضابط الاتصال الأردني وتنبيهه إلى أنه ينبغي أن يتوقع الملك إدانة علنية قاسية. قلت لرئيس الوزراء إنني أعتقد بأن هذه الخطوة خاطئة. وأخبرته بأنني عدت في اليوم السابق، وان لديّ أخباراً هامة لأنقلها إليه. ردّ رئيس الوزراء بغضب قائلاً بأن الوقت غير مناسب لذلك. قال لي بأن أفعل لمرّة واحدة فقط ما يطلب مني. وأملى عليّ النص الدقيق الذي ينبغي أن أقوله. وللمرة الأولى ـ والأخيرة ـ قال لي إن السكرتير العسكري بالوكالة سيتصل بي بعد بضع دقائق لكي يتأكد من أنني قمت بإعداد الصياغة الصحيحة”.

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون

المصدر: جريدة الإتحاد

عماد جانبيه

Previous Story

الشوكولاتة وفوائدها

Next Story

أمريكا تحتفل بمرور 125 سنة على أشهر رموزها

Latest from Blog