التاريخ الدستوري المصري

43 views
44 mins read

قراءة في تاريخ تقنين الدولة المصرية من منظور  ثورة يناير 2011

تأملات وهوامش دستورية

يسعى مؤلفا كتاب “التاريخ الدستوري المصري/ قراءة من منظور ثورة يناير 2011” إلى إعادة إلقاء الضوء على تاريخ الوثائق والنظم الدستورية في مصر من واقع الوضع السياسي والاجتماعي الدائر حول صياغة دستور مصري وبناء مؤسسات مصرية جديدة في أعقاب ثورة 25 يناير 2011 التي أسقطت نظام حسني مبارك وأسقطت دستور عام 1971، ومعلوم أن الدستور الأخير وضعه السادات في بداية حكمه ثم عدلته السلطات الحاكمة في مصر مرات عدة على مدار أربعة عقود، وفقاً لمصالحها السياسية وترسيخاً لانفرادها بالحكم.

ويعيد الكتاب التأمل في تاريخ مصر الدستوري وارتباطه بالتطورات السياسية والاجتماعية المصاحبة له، محاولاً استخلاص النتائج والملاحظات التي قد تكون ذات قيمة فيما يخص جهود المجتمع المدني والسياسي في مصر، من أجل الوصول إلى صيغة دستورية ومؤسساتية تنتقل بمصر من صخب وعشوائية ما بعد الثورة إلى مرحلة من الاستقرار المؤسسي والتنموي.

إرادة وتفاعل

ينطلق المؤلفان محمد نور فرحات وعمر فرحات من فرضية أن الواقع الدستوري هو نتاج وانعكاس لتفاعل إرادات الأفراد والجماعات المؤثرة في الحياة السياسية، ونتيجة ذلك أنه كلما انخرطت قطاعات واسعة من أبناء الشعب المصري في الحراك السياسي والاجتماعي واتسعت رقعة الجماعات ذات التأثير السياسي، اقترب الوضع الدستوري من التطور والاستقرار وحماية الحريات والموازنة بين السلطات وتمثيل قطاعات واسعة من أبناء الشعب وحماية الشرعية. ويمكن استخلاص أمرين من هذا الطرح:

أولاً: إن أي وثيقة دستورية تؤدي بمصر الى وضع سياسي مرضٍ ومستقر، يجب أن تكون ممثلة لكل أبناء الشعب المصري بشكل أو بآخر، ويجب أن تحتوي على خلاصة حوار وتفاعل مجتمعي يؤدي إلى الاستقرار على حد أدنى من القيم الأساسية المشتركة، حتى تضمن احترام كل المؤسسات والأفراد لمبادئ الدستور والانصياع لها راضين.

ثانياً: زيف الادعاء بأن انتقال الشعب إلى مرحلة يحكم فيها نفسه بنفسه هو أمر غير ملح وغير مأمون العواقب، ويجدر أن يصل اليه المصريون تدريجياً حتى يكونوا على أتم الأستعداد والأهلية للانخراط في الديمقراطية، وهو ادعاء ردده الاحتلال البريطاني للحفاظ على أطماعه الاقتصادية ثم استخدمته النظم السياسية القمعية المختلفة لتبرير استبدادها أمام العالم وربما أمام نفسها، إنما الواقع أن نضال الشعب المصري ضد الفساد والاستبداد والاحتلال في فترات عدة من تاريخه قد اقترب به بشدة من إقامة نظام دستوري يكفل ديمقراطية حقيقية، لكن قوى الاستعمار واستبداد ما بعد الاستعمار بأشكالها المختلفة حالت من دون ذلك حتى هذه اللحظة.

والنظر إلى التطور الدستوري في مصر كتعبير عن تفاعل إرادات الجماعات السياسية الفاعلة يلقي الضوء على الدور والطبيعة المزدوجة للنص الدستوري، فمن ناحية ينبغي أن يمثل هذا النص انعكاساً للحد الأدنى المشترك بين الجماعات والمصالح والأفكار والطموحات المختلفة لأبناء الشعب، ومن ناحية أخرى يجب أن يكون هذا الانعكاس كافياً لأن يقنع المواطنين باحترام نص الدستور وإجلاله والإنصياع له وهم قانعون. وغياب أحد هذين العنصرين في العديد من الفترات في التاريخ المصري كان نذيرا بالأزمات الدستورية والسياسية والاضطرابات والتصارع بين الجماعات السياسية خارج نطاق الشرعية الدستورية.

وبالتالي فإن فصياغة دستور جديد قد لا يكون بالضرورة نهاية المطاف والطريق إلى الاستقرار، وإنما قد يمثل بداية لاضطرابات عدة إذا لم يستند إلى حوار مجتمعي موسع، فليس من المجدي أن تتصارع القوى السياسية على من يصوغ الدستور، وإنما يجدر أن تسعى إلى أن تتم صياغة دستور يعبر عن كل أطياف الشعب بمختلف اختلافاتها، وأن يحتوي تلك الاختلافات. ففي الوضع الثوري الذي ترتب على ثورة 25 يناير 2011 لن يشعر الثوار بنجاحهم إلا إذا أفضت جهودهم إلى دستور يمثل الحد الأدنى المشترك بين كل فئات الشعب، أما إذا استأثرت فئة من دون أخرى بكتابة الدستور فلن يؤدي هذا الى إرضاء التيارات السياسية الفاعلة ولن يؤدي بالوضع إلى الاستقرار.

الثورة والدستور

ويعرض المؤلفان كيف مثلت الثورة المصرية التي بدأت بتظاهرات حاشدة يوم الثلاثاء 25 يناير 2011 نقطة الذروة للحركات السياسية المطالبة بالإصلاحات الديمقراطية، وتبعتها ودعمتها قطاعات واسعة من الشعب التي طحنتها سياسات نظام مبارك الاقتصادية الظالمة، وتنامي الغضب الشعبي إزاء التقرب من إسرائيل بتصدير الغاز بأبخس الأثمان لها، ومحاصرة غزة، وإعداد جمال مبارك نجل حسني مبارك لخلافة أبيه، وغيرها من مظاهر الإذلال والتدهور التي شهدتها مصر في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

من هنا كانت ثورة يناير 2011 إيذاناً بعودة الشعب المصري بأطيافه المختلفة والمعقدة وجماعاته السياسية العديدة والمتباينة إلى الساحة السياسية قوة فاعلة ومؤثرة، إن لم تكن أكثر القوى تأثيراً بجانب القوات المسلحة الممثلة في المجلس الأعلى الذي تولى حكم البلاد بعد تنحي حسني مبارك عن الحكم، وهو ما يعد تطورا جذرياً في الوضع الاجتماعي والسياسي، ومن ثم الدستوري، في مصر حيث تحول الدستور من أداة في يد الحاكم يساوم بها القوى السياسية ويحصن بها سلطته، إلى مشروع وطني انبرت القوى السياسية في تقديم تصوراتها عنه وتعددت النقاشات حول اجراءات وسبل الوصول إلى نص دستوري ينقل مصر إلى الأمام.

وبعد قيام ثورة يناير 2011 وإعلان حسني مبارك تخليه عن رئاسة الجمهورية في 11 فبراير 2011، دعا المجلس الأعلى للقوات المسلحة المواطنين للاستفتاء على بعض التعديلات في مواد دستور 1971، ثم أصدر المجلس الأعلى، بعد موافقة الشعب على التعديلات، إعلاناً دستورياً مؤقتاً من ثلاث وستين مادة ينظم العمل في مؤسسات الدولة بحمايتها، وذلك حتى صدور دستور جديد وفقاً للآليات التي يحددها الإعلان المؤقت.

وقد أثار الإعلان بعد الاستفتاء أوجها من الاعتراض على أساس أن صدور إعلان جديد كان أبرز مطالب الرافضين للتعديلات الدستورية التي تمت الموافقة عليها، لأن دستور 1971 قد سقط بقيام الثورة، وبالتالي كان من المنطقي أن يطرح الإعلان الدستوري بأكمله للاستفتاء الشعبي، وهو ما لم يحدث. ومن ناحية أخرى اعتبر البعض الآخر صدور الإعلان الدستوري سبباً للاحتفال إما لأنه أبقى المادة الثانية بذات نصها ورقمها أو لأنه مؤشر على اتجاه الأوضاع إلى الهدؤ والاستقرار.

وقد أصبحت مصر في وضع تتجاذب فيه القوى السياسية الرئيسية بشكل كبير إمكانات ومضامين المستقبل الدستوري لمصر، وهو وضع يحتم محاولة الوصول إلى تفاهمات وحلول وسط بين القوى السياسية حول شكل الدستور المصري الجديد. وتجدر الإشارة إلى بناء التوافق الاجتماعي العام قد يكون أهم مما اتفق عليه الشعب من خلال الاستفتاء إذا ما طغى على الاستفتاء طابع الحشد السياسي والتعبئة الدينية، حيث يعد الاستفتاء السياسي أسلوبا تنشأ به الدساتير في ظل أنظمة للحكم تسمح للشعب ظاهرياً بالاشتراك في مباشرة السلطة التأسيسية، والمساهمة في وضع الوثيقة الدستوري، إلا أنها تحول من حيث الواقع خصوصاً في دول العالم الثالث من دون جعل هذا الاشتراك جدياً.

والتاريخ الدستوري المصري، كما يبيّن الكتاب، مليء بالفترات التي تجاوز المجتمع فيها على مستوى الوعي العام والممارسة السياسية الأطر الدستورية القائمة، جاعلة منها نصوصاً صماء لا تعبر عن واقع ولا تفرز احتراماً ولا انصياعاً. وكما ذكر المؤلفان في متن البحث، فإن التفاعلات والتوازنات الاجتماعية التي ينتج عنها القبول الجماعي لحدود القانون والدستور وحقوق وحريات الآخرين هو نفس أهمية صياغة دستور محكم من الناحية القانونية.

ولعل في طريقة إعداد دستور 1971 خير دليل على ذلك، حيث بدت ديمقراطية المظهر من حيث تشكيل أعضاء البرلمان لجنة لصياغة الدستور، لكن لم يخضع هذا الدستور لنقاشات موسعة على مستوى المجتمع المدني، ومن هنا جاء مثل سابقيه غير معبر عن واقع اجتماعي حقيقي.

Previous Story

حبوب منع الحمل تقلل من خطر الاصابة بسرطان المبيض

Next Story

نقولا الأسطا إلى أميركا لاحياء عدد من الحفلات

Latest from Blog