/

ذكرى الاستقلال الثامنة والستون

188 views
148 mins read

ثمانية وستون عاماً من عمر لبنان، حقبةٌ تختصر نضال شعبه في سبيل الحفاظ على الاستقلال، وتحصينه من الأخطار، وترسيخ معانيه العميقة في النفوس.
عقود مديدة من الزمن، تخللتها صفحات بيض عنوانها الطمأنينة والاستقرار، وصفحات سود عنوانها الخوف والقلق على المصير، وبين هذه وتلك صفحات حمر، سطّرها جنود الوطن بحبر الدم القاني، دم زكيّ يروي جذور شجرة الاستقلال، فيكسبها قوة الاستمرار، ويغمرها بالبطولات والمآثر.
وإذا كان يوم الاستقلال بالنسبة إلى اللبنانيين في الوطن وعالم الانتشار، يمثّل محطة لاستذكار إنجازات الأسلاف، والتحلّق باعتزاز حول علم البلاد، والتطلع إلى المستقبل الواعد، فإنه بالنسبة إلى الجندي مسيرة عابرة للزمن، تخطّها يد تحمي وتبني، وعقل يسمو ويبدع، وقلب ينبض على نفير الواجب وإيقاع الفداء…

إرادة تصنع الاستقلال

صحيح أن لبنان الحديث قد أطلّ على العالم العام 1943 كوطن حرّ سيد مستقل، في حدوده المعترف بها دولياً، لكنَّ جذوة استقلاله لم تنطفئ يوماً في نفوس اللبنانيين، منذ أن أنبتتهم هذه الأرض الطيبة كسنديان السفوح وأرز الأعالي، أبطالاً يتحدّون أشكال القهر وألوان الطغيان، ويواجهون قوافل المحتلين والطامعين بإرادة من صخر وإيمان.

ولقد وجد اللبنانيون مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وفي ظل المتغيرات الدولية آنذاك، أن الظروف قد بدأت تتهيأ أكثر أمامهم للمطالبة بتحقيق استقلالهم وإنشاء دولتهم المستقلة، فكان أن سارعوا إلى ترجمة إرادتهم عملياً، عبر انضواء مجموعات من خيرة أبنائهم في «فرقة الشرق» التي أنشأها الحلفاء في المنطقة العربية العام 1916، كأحد وجوه النضال الوطني. وقد اشترطوا حينها أن يدون على عقود تطوعهم العسكرية شرطان: الأول أنهم يقاتلون ضد القوات العثمانية من دون غيرها، والثاني أنهم انخرطوا في القوات الحليفة لتحرير لبنان. وما لبثوا لاحقاً أن شكلوا داخل تلك القوات حالة لبنانية مميزة، فالعام 1918 أصبحت فرقة الشرق المذكورة تضمّ في صفوفها أول سرية من سرايا الجيش اللبناني وهي السرية 23 التي رافق تأليفها الكثير من التعاطف والحماس بين المواطنين.

منذ العام 1921 بدأت سرايا القناصة اللبنانية تنشر العمران في أرجاء الوطن، فتعهدت أعمال البناء وشق الطرقات وإنشاء الجسور ومراكز الهاتف والتلغراف والتفتيش عن الآثار ومكافحة الجراد والإغاثة والتشجير… فكان عهد من المحبة والود والتقدير بين اللبنانيين وجيشهم.

في أيلول العام 1939، اندلعت الحرب العالمية الثانية، وبعد احتلال ألمانيا فرنسا التي انقسمت قواتها بين مؤيد لحكومة فيشي ومؤيد لقوات فرنسا الحرَّة، جرت عدة محاولات لزج الوحدات العسكرية اللبنانية في الصراع الفرنسي – الفرنسي من دون أن تحقق أي نجاح يذكر.

وهكذا اجتمع في 26 تموز العام 1941، أربعون ضابطاً لبنانياً في ذوق مكايل ووقعوا وثيقة شرف، تعهدوا فيها عدم الخدمة إلاَّ في سبيل لبنان، كما تعهدوا أن تختصر علاقتهم بالحكومة الوطنية، بحيث لا يتلقون الأوامر إلاّ منها. وفي ختام الوثيقة، ربط الضباط استئناف مهمّاتهم العسكرية بالحصول على وعد قاطع من السلطات الرسمية الفرنسية باستقلال وطنهم، وهذا ما حصل حين وعد الجنرال ديغول عبر خطابٍ ألقاه في بيروت، بمنح لبنان الاستقلال والسيادة.
بين 29 آب و5 أيلول العام 1943، جرت انتخابات نيابية في لبنان، انتخب على أثرها الشيخ بشارة الخوري رئيساً للجمهورية، الذي كلّف رياض الصلح تشكيل الحكومة. ومع الرَجلين بدأت معركة الاستقلال تعيش لحظاتها الحاسمة من خلال البيان الوزاري الشهير الذي رسم سياسة الحكومة الاستقلالية، تلا ذلك قيام مجلس النواب بتعديل مواد الدستور المتعلقة بالانتداب وتوقيع رئيس الجمهورية على هذا التعديل.

وقد ردت السلطات الفرنسية على كلّ هذا باعتقال رئيسي الجمهورية والحكومة وعدد من الوزراء وأحد النواب وأودعتهم سجن قلعة راشيا.

فور شيوع نبأ الاعتقال، اشتعلت ساحات المدن بالتظاهرات الاحتجاجية. وبدعم من الضباط اللبنانيين تم تشكيل حكومة مؤقتة من الوزيرين حبيب أبو شهلا ومجيد أرسلان اللذين توجها مباشرةً وبرفقتهما رئيس مجلس النواب صبري حمادة إلى بشامون، حيث انضمت إلى الحكومة مجموعة من الشباب، شكّلت ما يشبه الحرس الوطني.
أمام هذا الواقع، وفي ظل استمرار التظاهرات الشعبية، اضطرت السلطات المنتدبة إلى التراجع عن تشددها مذعنة لمشيئة اللبنانيين، فأطلقت سراح رجالات الدولة من سجن راشيا في 22 تشرين الثاني 1943، ليتحقق بذلك استقلال لبنان في حدوده المعترف بها دولياً.

دعائم الاستقلال

يرمز استقلال الوطن إلى سيادة الشعب على أرضه، وإلى قراره الحر المعبّر عن إرادته بعيداً عن التدخلات والتأثيرات الخارجية. وللاستقلال دعائم أساسية لا بدّ من توافرها مجتمعة، ليكون كاملاً وغير منقوص.

أولاها: الإرادة الوطنية الجامعة، وهي تنبع من وعي مختلف الجماعات لشخصيتها الوطنية المتبلورة من خلال عوامل التاريخ والجغرافيا، والتراث والقيم والتقاليد، إضافة إلى تلاقي هذه الجماعات على أهداف ومصالح مشتركة.

وقد جسّد اللبنانيون إرادتهم هذه عبر التاريخ، من خلال سعيهم الدائم إلى تحرير وطنهم من الجيوش والقوى الغريبة التي تعاقبت على احتلال أرضه، إذ قاوموا الاحتلال العثماني لقرون أربعة، ثم الانتداب الفرنسي. وبعد ذلك، لم يتوانوا لحظة عن أداء واجبهم الوطني في الدفاع عن أرضهم ومقدَّساتهم ضد العدو الإسرائيلي، والتصدي لاعتداءاته المستمرة، إلى جانب رفضهم القاطع للإرهاب بمختلف أشكاله وألوانه، والتفافهم حول مؤسستهم العسكرية في مواجهته واستئصال أشواكه الخبيثة من جسم الوطن.

ومن دعائم الاستقلال أيضًا وحدة الأرض والشعب، والتي من دونها يسود الانقسام والتشرذم، وتشرّع أبواب الساحة الداخلية على تدخُّلات الآخرين وصراعاتهم. ولقد كرَّس الدستور أرض لبنان مساحة وحدودًا، وأي مسٍّ بها، أو تجزئة أو تقسيم لها، هو تهديد للوطن في جوهر وجوده. وعلى الرغم من الأحداث الأليمة التي عصفت بالوطن، لم يتخلَّ اللبنانيون للحظة واحدة عن صيغة عيشهم المشترك، حتى جاءت أخيراً وثيقة الوفاق الوطني العام 1989، لتؤكد بشكل لا لبس فيه هذه الحقيقة الدامغة.
أمَّا الدعامة الثالثة للاستقلال فتتمثل بدولة المؤسسات، المعبِّرة عن إرادة الشعب ووحدته، والتي تتولَّى رعايته وإدارة شؤونه، استنادًا إلى مبدأ الحقوق والواجبات. كما تتولَّى حماية الأرض وتنظيم استغلال ثرواتها، وبذلك تشكل ركنًا أساسيًا من أركان وجود الوطن السيِّد المستقل. ويأتي الجيش في طليعة المؤسسات المكوّنة للدولة، انطلاقاً من موقعه كرمز للسيادة والاستقلال، ومن وظيفته الأساسية كحامٍ للوطن.

الجيش والوطن

أ – الإسهام في ترسيخ الوحدة الوطنية:
تشكّل الوحدة الوطنية صمام أمان الوطن ومصدر مناعته وقوته، وقد أثبتت التجارب التي مرَّ بها لبنان سابقاً، عقم الطروحات التي تم تداولها كالكونفدرالية والتقسيم، والتي لم تجد طريقها إلى الحياة، بسبب عدم توافق اللبنانيين حولها من جهة، وكون فرضها قسراً من جهة أخرى هو بمنزلة مشاريع تناحر وحروب لا تنتهي، تؤدي في نهاية المطاف إلى القضاء على مقوِّمات وجود الكيان.
يسهم الجيش اللبناني في الحفاظ على الوحدة الوطنية من خلال عدة عوامل يمكن تلخيصها بالآتي:
– البنية البشرية للجيش، إذ يضم في صفوفه ضباطاً ورتباءَ وأفراداً يمثلون مختلف الانتماءات الطائفية والمناطقية والثقافية التي يتكوَّن منها المجتمع اللبناني، التحقوا به جميعاً بملء إرادتهم وقناعتهم.
– التنشئة الوطنية التي يتلقاها العسكريون من مختلف الرتب، وهي نابعة من الدستور ومن خصائص لبنان وشعبه، ومن رسالة الجندية القائمة على جملة من المبادئ الوطنية والفضائل الأخلاقية والإنسانية. هذه التنشئة، ينقلها العسكريون بشكلٍ أو بآخر إلى عائلاتهم ومحيطهم، مما يؤدي إلى تعميمها على شريحة واسعة من المجتمع.
– العمل المؤسساتي داخل الجيش المتمثل بالتطبيق الدقيق لمعايير الأهلية والكفاءة في الترقيات والتشكيلات والدورات الدراسية وغيرها، والتزام مبدأ الثواب والعقاب، والشفافية في النواحي العملانية واللوجستية والإدارية، ما يؤدي إلى تحقيق العدالة بين العسكريين كجزء لا يتجزأ من العدالة الوطنية الشاملة التي تشكل ركناً أساسياً من أركان الوحدة الوطنية.
– التفرغ المهني الكامل، أي التزام العسكريين العمل في نطاق مؤسستهم فحسب، وعدم قيامهم بممارسة أي عمل مأجور خارج المؤسسة.
– ابتعاد الجيش عن السياسة، والبقاء على مسافة واحدة من الجميع، وهذا ما تجسد في العديد من المناسبات الوطنية، لا سيَّما في أثناء التظاهرات والانتخابات النيابية والبلدية وغيرها.
– المهمَّات الإنمائية التي تشمل مختلف المناطق اللبنانية على قدم المساواة، والجيش من خلال هذه المهمَّات، إنما يقدم صورة مثلى عن التضامن الإنساني والاجتماعي والوطني في سبيل تحقيق المصلحة العامة.
– حماية الدستور من أيِّ محاولة للخروج عليه، والجيش في ذلك يكون حامياً للإجماع الوطني ولإرادة اللبنانيين، ولا مجرّد حامٍ لأشخاص أو فئات معينة.
– القوة الرادعة: تشكل صورة الجيش كقوة رادعة تستند إلى التقدير والرهبة، عاملاً من العوامل التي تسهم في تحقيق الاستقرار، غير أن هذه القوة الرادعة تتدخل فعلياً حين تدعو الحاجة للحفاظ على سلامة المواطن وحريته وكرامته.
– تجسيد فكرة النظام في الوعي الجماعي للمواطنين، فالمؤسسة العسكرية تقوم على نظام دقيق وواضح يشمل مختلف المجالات، فيما تكفل القوانين وآلياتها التطبيق العملي لهذا لنظام، بما يؤدي إلى تنسيق النشاطات وتوحيد الجهود، وتحديد الحقوق والواجبات.

ب – المهمات التي يضطلع بها الجيش:
المهمَّة الرئيسة التي يتولاها الجيش، هي الدفاع عن لبنان ضدَّ أي معتدٍ خارجي، وعلى وجه التحديد العدو الإسرائيلي الذي ما انفك يتربص به شراً، ويتحيّن الفرصة تلو الأخرى، للانقضاض على ثروات أرضه، ومنجزات شعبه. إلاّ أن ذلك لم يدفع المؤسسة العسكرية إلى تقليص اهتمامها بالأوضاع الأمنية، خصوصًا أن هذا العدو قد دأب في الماضي ولا يزال، على بث سمومه في نسيجنا الوطني المميّز، تبريرًا لوجود كيانه العنصري الذي يرفض الآخر ولا يعترف بحقوقه.
كما أنّ الإرهاب، وهو الخطر الشامل باعتراف العالم كلّه، وإلى جانبه العابثون بالأمن والخارجون على القانون، قد حتّموا تخصيص جهد كبير للداخل، حفاظاً على المؤسسات وحمايةً للمواطنين. وبالإضافة إلى ما سبق، يطلّ الجندي اللبناني أيضاً على أبناء مجتمعه من نوافذ الإنماء والإعمار في قطاعات واهتمامات مختلفة، مع إبقاء إصبعه على زناد بندقية، تصوبها عقيدة عسكرية راسخة وواضحة.

• الدفاع عن الوطن:
يقسم الجندي فور انخراطه في الحياة العسكرية أن يحمي علم بلاده، وأن يذود عن وطنه لبنان، الذي شاء القدر أن تنشأ على حدوده دولة عنصرية، ما انفكت تمارس الاعتداء تلو الآخر على أرضه وشعبه وحضارته، كما قامت بتهجير قسم كبير من الأشقاء الفلسطينيين إلى أرضه، ولا تزال حتى يومنا الحاضر تمنع عنهم حق العودة إلى ديارهم، ضاربة عرض الحائط بجميع المواثيق والقرارات الدولية التي ترعى حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وتأمين مطالبها المشروعة.

ولقد كان الجيش دائماً على قدر المسؤولية في تنفيذ واجبه الدفاعي، بحيث خاض وهو لم يزل فتياً خلال العام 1948، أولى معاركه البطولية في بلدة المالكية، التي استطاع تحريرها من العدو الإسرائيلي، على الرغم من عدم التكافؤ في موازين القوى، ثم توالت بعد ذلك سلسلة المواجهات مع هذا العدو، لا سيّما في منطقة سوق الخان العام 1970، وعلى محوري بيت ياحون – تبنين وكفرا – ياطر العام 1972، وفي صور العام 1975، مروراً باجتياحي العام 1978 والعام 1982، وعمليتي تصفية الحساب العام 1993، وعناقيد الغضب العام 1996، ومواجهات عرب صاليم وأنصارية العام 1997، وعدوان تموز العام 2006، وصولاً إلى مواجهة العديسة في شهر آب العام 2010 ، حيث تصدى الجيش بكلّ شجاعة وبسالة لدورية إسرائيلية معادية اجتازت الخط التقني في خراج البلدة المذكورة إلى أراضٍ متحفظ عنها لبنانياً، وقد حصل اشتباك استمر لعدة ساعات، استخدم فيه العدو الأسلحة الثقيلة ضد مراكز الجيش ومنازل المدنيين، الأمر الذي أدى إلى استشهاد عسكريين اثنين ومواطن إعلامي وإصابة آخرين بجروح، فيما سقط للعدو عدد من القتلى والجرحى، وقد انتهت المواجهة بانسحاب الدورية المعتدية إلى مراكزها. وفي حادث مماثل حصل في الأول من شهر آب المنصرم، تصدت وحدات الجيش في منطقة الوزاني لدورية إسرائيلية عبرت الحدود الدولية لمسافة 30 متراً داخل الأراضي اللبنانية، واضطرتها بعد تبادل إطلاق نار معها إلى العودة من حيث أتت، من دون تسجيل أي إصابات في صفوف عناصر الجيش. وتوضيحاً لحقيقة ما جرى، نظمت قيادة الجيش زيارة للملحقين العسكريين العرب والأجانب المعتمدين في لبنان إلى منطقة الوزاني، حيث تم تقديم شرح مفصل لهم عن مكان الحادث وظروف حصوله.

وتشديداً على أهمية الواجب الدفاعي المنوط بالجيش، خاطب العماد قهوجي العسكريين في أمر اليوم الذي وجهه إليهم بمناسبة الذكرى السادسة والستين لعيد الجيش، قائلاً: إن جهوزيتكم الدائمة على الحدود الجنوبية لمواجهة ما يبيّته العدو الإسرائيلي من نوايا عدوانية ضد الوطن، تمثّل مهمّتكم الأولى التي تستحق كلّ جهدٍ وتضحية، وهذه المهمّة لا تكتمل أهدافها إلاّ بتعاونكم الوثيق مع القوات الدولية حفاظاً على استقرار تلك المناطق، وفضحاً لمخططات العدو الإجرامية وخروقاته المستمرة للسيادة اللبنانية، ولقرار مجلس الأمن الرقم 1701، ولا تكتمل كذلك إلاّ بالتزام دعم شعبكم المقاوم، والتمسك بحق لبنان المشروع في الاستفادة من كامل طاقاته الوطنية، الكامنة في جيشه وشعبه ومقاومته، ما دام هذا العدو يستمر في احتلال قسمٍ من ترابنا الوطني، ويرفض الاستجابة لشروط السلام الشامل والعادل التي أكّدتها المواثيق والشرائع الدولية.

• ترسيخ التعاون مع القوات الدولية:
انطلاقاً من أهمية دور القوات الدولية في مؤازرة الجيش اللبناني للحفاظ على استقرار الحدود الجنوبية، ولكشف ممارسات إسرائيل العدوانية أمام الرأي العام العالمي، ووفاءً لما تبذله من جهود وتضحيات في إطار مهمتها الإنسانية النبيلة، تحرص قيادة الجيش على تمتين أواصر التعاون معها على مختلف الصعد. ويتجلى هذا التعاون على وجه الخصوص في التنسيق الميداني والأمني، وتنفيذ المناورات والتدريبات المشتركة، وتبادل الخبرات والمعلومات، ومتابعة تعليم الخط الأزرق والقيام بمشاريع إنمائية واجتماعية مختلفة لمصلحة المواطنين.
ومن الجدير بالذكر في إطار التنسيق الأمني، اتخاذ قوى الجيش إجراءات أمنية مشدّدة للغاية، بهدف حماية تنقلات هذه القوات، إثر تعرضها لاعتداءين إرهابيين في منطقتي الرميلة وصيدا، بالإضافة إلى عقد اجتماعات دورية بين الجانبين لمتابعة الموضوع عن كثب.

• الحفاظ على الأمن والاستقرار:
أكدت القيادة غير مرّة أن السلم الأهلي خطٌّ أحمر، وأن الأمن هو حقٌّ مقدس لكلّ مواطن، ومن غير المسموح الإخلال به تحت أي ظرف أو شعار.
والمهمة الأمنية الملقاة على عاتق المؤسسة العسكرية، تزداد كثافة يوماً بعد يوم، ليس لدقّة المرحلة وتشابك الأحداث في الداخل والخارج فحسب، بل أيضاً لازدياد الثقة بها، واعتبار الاعتماد عليها أمراً طبيعياً عند كلِّ استحقاق وغداة أي حدث.
يرتكز الجيش في أدائه لهذه المهمّة على الأسس الآتية:
– التنسيق الدائم مع القوى الأمنية، والحرص على تكامل العمل في ما بينها.
– الحضور الفاعل للوحدات العسكرية في مختلف المدن والبلدات والقرى اللبنانية.
– التقصي المستمر عن نشاطات عناصر شبكات الإرهاب والعمالة والعابثين بالأمن، وملاحقتهم حتى توقيفهم وتسليمهم إلى القضاء.
– التدخل الفوري لدى حصول حوادث أمنية، بغية محاصرتها وإعادة الأوضاع إلى طبيعتها بالسرعة القصوى.
– عدم جعل لبنان مقرّاً أو ممرّاً لتصدير الفتنة إلى الدول العربية الشقيقة، وفي المقابل تحصين الوطن من انعكاسات ما يجري من أحداث خارج حدوده.
وقد كان من حصيلة الإجراءات الأمنية التي اتخذها الجيش هذا العام ما يأتي:
– توقيف عدد كبير من الأشخاص المطلوبين للعدالة، وآخرين لارتكابهم جرائم ومخالفات مشهودة، تتعلق بالإخلال بالأمن، وحيازة المخدرات أو الإتجار بها، وممارسة التهريب وتداول العملات المزوّرة، وحيازة الأسلحة والذخائر، والتجوال من دون إقامات شرعية، وقيادة سيارات ودراجات نارية من دون أوراق ثبوتية.
– المشاركة الفاعلة في عمليات البحث والتحري عن المواطنين الأستونيين الذين كانوا قد اختطفوا خلال شهر آذار الفائت، وما اقتضى ذلك من إقامة نقاط تفتيش، وتنفيذ دهم لأماكن مشبوهة، وجمع المعلومات والمعطيات المتعلقة بهم، حتى تحريرهم خلال شهر تموز المنصرم.
– المساهمة في إعادة فرض النظام في عدد من السجون التي شهدت احتجاجات عنيفة من قبل بعض الموقوفين، والتعامل مع هؤلاء بمسؤولية كبيرة ودقة فائقة، منعاً لوقوع إصابات في صفوفهم.
– مساندة قوى الأمن في قمع التعديات على الأملاك العامة والخاصة.
– التشدد في ضبط كامل الحدود البرية والبحرية، بهدف منع أعمال التسلل والتهريب بالاتجاهين.
– مؤازرة القوى الأمنيـة في عملية إتلاف المزروعـات الممنوعة في بعـض المنـاطـق.

• مكافحة التجسّس:
تمادياً في مخططاته الخبيثة، ورغبة منه في زعزعة استقرار الداخل اللبناني، لا يزال العدو الإسرائيلي يلجأ إلى الإيقاع ببعض الأشخاص من ذوي النفوس الضعيفة، بغية تنفيـذ أعمال تجسسية وتخريبية هنا وهناك، لكنّ وقفة الجيش بالمرصاد كعادته لهذا الخطر، وتحلّي الشعب اللبناني بما يكفي من الحصانة والوعي، قد أدّيا إلى إفشال مخططات العدو، عبر توقيف عدد كبير من هؤلاء العملاء، كان أبرزهم في الفترة الأخيرة، شخص من جنسية عربية وزوجته اللبنانية، أوقفتهما مديرية المخابرات خلال شهر أيلول الفائت في بلدة حاصبيا، حيث اعترف الموقوف بعلاقته بالمخابرات الإسرائيلية منذ العام 1999، ودخوله الأراضي الفلسطينية عدة مرات، وتقاضيه أموالاً بدل خدمات أمنية من المشغل الإسرائيلي، فيما أقرّت زوجته بعلمها بالموضوع، وقد ضبط في منزله جهاز لإرسال المعلومات، وقرص مدمج يحتوي على صور جوية لأهداف عسكرية ومدنية في منطقة الجنوب، بالإضافة إلى شريحة خط خلوي إسرائيلي.
وفي الإطار نفسه، كانت هذه المديرية قد تمكنت في وقت سابق، من كشف ثلاث منظومات إسرائيلية للتجسس والتصوير، الأولى زرعت في منطقة صنين، وهي تعمل بتقنية فنية عالية تصل إلى حد كشف أهداف بعيدة المدى بشكل دقيق، وتحديد إحداثيات أهداف أرضية لتسهيل ضربها.
والثانية زرعت في مرتفعات الباروك، وهي عبارة عن صخرتين مموّهتين تحوي إحداهما جهاز استقبال يغطي معظم بلدات البقاع الغربي والأوسط وصولاً إلى بعض المناطق السورية، وعدداً كبيراً من بلدات الجنوب وصولاً إلى حدود فلسطين المحتلة، أمّا الأخرى فهي عبارة عن حاوية تضم عدداً كبيراً من الركائم تكفي لتغذية الجهاز سنوات عديدة.
والثالثة زرعت أيضاً بشكل صخرة مموّهة في منطقة شمع قرب مدينة صور، وهي تؤمّن تغطية الساحل الجنوبي من البياضة حتى صور، ويتم تشغيلها بواسطة طائرات الاستطلاع.

• التصدي للإرهاب:
يعتبر الإرهاب خطراً شاملاً يتهدّد دول العالم قاطبة، كونه يشكّل النقيض الواضح للتنوع الفكري والثقافي والعقائدي، ويسعى إلى منع التقارب الإنساني بين الشعوب، وفرض الرأي الواحد على الجميع، وهو بالتالي نقيض الصيغة اللبنانية القائمة على التلاقي والانصهار بين مختلف مكوّنات الشعب.
ولقد واجه الجيش اللبناني الإرهاب في مراحل متعددة، خصوصاً في معركة نهر البارد البطولية، التي قدم خلالها قافلة كبيرة من الشهداء والجرحى والمعوّقين. وهو يواصل اليوم رصد هذا العدو الخطر والاستعداد لمواجهته، من خلال التحري المستمر عن خلاياه النائمة، وتنفيذ مناورات وتمارين قتاليــة خاصة بهذا الشأن، بالإضـافـة إلى تبادل الخبرات والمعلومات حول هذا الموضوع مع الجيوش الشقيقة والصديقة، لأن القضية تهم الجميع.

• المساهمة في الأعمال الإنمائية والإنسانية:
تشكّل المهمة الإنمائية والإنسانية التي يضطلع بها الجيش، أحد وجوه ارتباطه الوثيق بالمجتمع المدني، وقد شملت هذه المهمّة ولا تزال، مساهمة الوحدات العسكرية في حملات تنظيف الشواطئ، وتأهيل المرافق السياحية والمواقع الأثرية، وإطفاء الحرائق وإعادة تشجير الغابات، وتركيب جسور مؤقتة وشق طرقات في القرى النائية، إلى جانب رفد بعض المؤسسات الرسمية والأهلية بالخبرات والوسائل والطاقات البشرية، وتنفيذ عمليات إخلاء وإنقاذ لدى حصول أحداث أمنية أو كوارث طبيعية، وتخمين الأضرار الناجمة عنها، وتقديم الخدمات الطبية كلّما دعت الحاجة.
وفي مجال يتصل بالأمن والإنماء معاً، يواصل المركز اللبناني للأعمال المتعلقة بالألغام ووحدات الهندسة في الجيش بالتعاون مع منظمات غير حكومية وفرق تابعة لجيوش شقيقة وصديقة، أعمال إزالة الألغام والقنابل العنقودية التي خلّفها العدو الإسرائيلي وراءه في الجنوب، والتي يبلغ عددها نحو 550000 لغم، وأكثر من مليون قنبلة عنقودية. وقد تم لغاية تاريخه، إزالة 141 ألف لغم ضمن مساحة تعادل 53? من المساحة العامة الملوثة بالألغام، و206000 قنبلة عنقودية ضمن مساحة تعادل 67? من المساحة العامة الملوثة بها، بالإضافة إلى إزالة 523 قنبلة وصاروخ طيران، و46000 قذيفة من أنواع مختلفة.
وفي المجال الإنساني، يتواصل التدريب المشترك بين الجيش وقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان، والأجهزة الأمنية وعدد من الوزارات المختصة والهيئات الرسمية والمنظمات الإنسانية، حول فرضية وقوع زلازل مفاجئة، وإعلان حالة طوارئ إنسانية واسعة، وتدخل القوى لتنفيذ عمليات بحث وإنقاذ وإخلاء، بالإضافة إلى أعمال الإطفاء وإزالة الركام والتخلص من المواد المتفجرة.

الجيش – الوجه الآخر

أ – نشاطات متنوعة:
تحرص المؤسسة العسكرية دائماً على ترسيخ علاقاتها بالمجتمع المدني، وعلى إقامة المزيد من جسور التواصل والتعاون مع هيئاته الفكرية والثقافية والرياضية… ومن أهم النشاطات المنفذة على هذا الصعيد:
– توقيع اتفاقيات مع الجامعات والمعاهد الرسمية والخاصة، في مجالات التعليم وتبادل المعلومات والخبرات.
– تكليف لجنة من الضباط إلقاء محاضرات في الجامعات والمدارس، حول دور الجيش والتنشئة الوطنية، وفي المقابل استضافة الجيش في مبنى القيادة وكلية فؤاد شهاب للقيادة والأركان والكلية الحربية لأكاديميين ومفكرين، يحاضرون أمام الضباط والتلامذة الضباط في مواضيع متنوعة.
– إحياء موسيقى الجيش حفلات فنية بناءً على طلب جهات مدنية، وخصوصاً في مناسبتي عيدي الجيش والاستقلال.
– متابعة العسكريين دورات لغات بالتعاون مع السفارات الأجنبية.
– المشاركة الفاعلة في المؤتمرات والندوات والمعارض والمباريات الرياضية التي تنظمها جهات محلية أو أجنبية. وفي نشاط مميّز جرى خلال هذا العام، نظمت قيادة الجيش المؤتمر الإقليمي الأول حول «القضايا الإقليمية الناشئة»، في فندق مونرو – بيروت، شارك فيه نحو مئة باحث وأكاديمي من لبنان والدول العربية وتركيا وإيران وقبرص والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
– تنظيــم مديريــة التوجيــه مســــابقات لطــلاب الجامعات في مجال إعداد ملصقات إعلانية – فنيّة، خاصة بالمناسبات الوطنية، وتوزيع جوائز على الفائزين.
ب – تكريم الجيش وقيادته:
تقديراً لجهود المؤسسة العسكرية وقيادتها في حماية مسيرة السلم الأهلي في البلاد، والحفاظ على وحدتها واستقرارها، أقام الملتقى الثقافي للحوار اللبناني – العالمي وتجمع البيوتات الثقافية في لبنان، حفل تكريم لقائد الجيش العماد جان قهوجي، بمناسبة اختياره رجل العام 2011، إلى جانب تكريم عدد من المبدعين في مجالات الفكر والفن والإعلام.
وكالعادة أهدى العماد قهوجي التكريم إلى اللبنانيين جميعاً، معاهداً إياهم بأن الجيش سيبقى على عهده ووعده، سياج الوطن وصمام أمنه واستقراره.

تطوير المؤسسة

إزاء التحدّيات التي يتعرّض لها لبنان في الداخل والخارج، ومع ضرورة أن تتناسب جهوزية المؤسسة العسكرية مع حجم المهمّات الموكلة إليها، خصوصاً الدفاعية منها، وبمواكبة مستمرة من فخامة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، وضعت القيادة في رأس أولويّاتها، مسألة تعزيز قدرات الجيش تدريباً وعديداً وعتاداً، ولهذه الغاية يجري العمل على ترسيخ جهوزية الجيش من خلال تكثيف التدريب النوعي في الوحدات، وتطوير برامج التعليم، وتنفيذ مناورات قتالية مشتركة بين أسلحة البر والبحر والجو، وانتداب عسكريين للتدرب في الخارج، والاستمرار في تطويع عناصر من مختلف الرتب والاختصاصات، إلى جانب تأمين المزيد من العتاد والسلاح، بالاستناد إلى الاعتمادات المخصصة للجيش في الموازنة، والمساعدات المقدمة من بعض الجيوش الشقيقة والصديقة.
وفي هذا الإطار، زار العماد قهوجي كلاًَ من المملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية العربية السورية والمملكة العربية السعودية وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، حيث أجرى مع المسؤولين السياسيين والعسكريين في هذه الدول، مباحثات حول سبل تفعيل التعاون العسكري بين الجيش اللبناني وجيوشها، وقد كانت لهذه الزيارات نتائج مثمرة على أكثر من صعيد.
وقد أشارت القيادة مراراً إلى أن أي مساعدة تتسلّمها المؤسسة العسكرية من دول شقيقة وصديقة، إنما تأتي إلى مكانها الصحيح، وتصب أولاً وأخيراً في خدمة الاستقرار المحلي والدولي، فالجميع يدرك ضريبة الدم الباهظة التي قدّمها الجيش في مواجهة الإرهاب، ويدرك أيضاً أن هذه المؤسسة لم تكن في يوم من الأيام في موقع الاعتداء على أحد، بل في موقع الدفاع عن النفس وحماية الشعب والأرض.
من جهة أخرى، وبناءً على القانون الرقم 169 تاريخ 29/8/2011، أنجزت قيادة الجيش مشروعاً جديداً للهيكلية التنظيمية للجيش، بما يتناسب مع حجمه الحالي، والاختصاصات والوظائف المحددة لفئات الضباط كافة.

شمس الحرية والخلاص

في ذكرى العيد، يجدّد الجيش قسَم الذود عن الأرض والشعب، وحماية الاستقلال من كلّ طامع وغادر، مؤكداً بعزائم جنوده المرابطين عند تخوم الوطن، والمنتشرين على امتداد ساحاته، أن لا تهاون في الحفاظ على الثوابت والمسلّمات، ولا تفريط بسلاح الوحدة الوطنية، ومعلناً للأجيال أنّ في عديده القليل بطولات لا تنسى وإنجازات لا تمحى، وإذا ما هبّت رياح الخطر، يستحيل ناراً تحرق وجوه الأعداء، وشهداء خالدين يشقّون بدمائهم الطاهرة درباً للوطن إلى شمس الحرية والخلاص…

المصدر: موقع الجيش اللبناني

Previous Story

جيباروف وعقيلي في منافسة قوية للفوز بأفضل لاعب آسيوي

Next Story

الأمير مجيد أرسلان ( 1908 – 1983)

Latest from Blog