الشباب ولغة العصر نادر سراج

167 views
45 mins read

نادر سراج يقدم دراسة لسانية اجتماعية عن لغة الشباب

ابتداعات اللسان

تحظى اللسانيات بموقع فريد ضمن العلوم الإنسانية الاجتماعية. وهي تبدو في الواقع الأكثر اجتماعية والأقل اجتماعية في الوقت عينه من بين هذه العلوم. كما يقول المؤلف نادر سراج في كتابه هذا الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون ومرصد بيروت الحصري بعنوان “الشباب ولغة العصر/ دراسة لسانية اجتماعية”.

الموضوعان الاجتماعي واللساني متلازمان في الوجود والصيرورة؛ ولأن اللسان يشكل في آن واحد مؤسسة مثالية، فضلاً عن أنه شرط لقيام كل مؤسسة. وهي كذلك الأقل اجتماعية؛ ذلك منهجها يقترب في جوانب شتى من ذاك العائد للعلوم الطبيعية.

يقول المؤلف إنها بدأت بـ لغة الشباب، لكنها توسّعت نطاقاً خلال مراحل البحث لتحتضن ألفاظ الحياة العصرية في البيئة اللبنانية المعتبرة في المعنى العام نموذجاً لبيئات عربية أخرى.

ألفاظ تشيع بين مختلف المستخدمين ولم تعد حكراً على جيل الشباب. بالرغم من ريادتهم في ابتكارها وتعميمها وتطويع دلالاتها.

يشير المؤلف ولاعتبارات إجرائية بقوله لقد اعتمدنا بيروت الكبرى حيّزاً مكانياً وجغرافياً وفضاءً ثقافياً اجتماعياً بمقدورهما أن يوفرا للدارس إطاراً مناسباً. ورواة لغويين متعددي المنابت والانشغالات، ومعطيات كافية، على قدر كبير من التنوع التغييري، بغية مقاربة مسألة لغوية اجتماعية مماثلة.

يشير أيضاً إلى أنها دراسة تثبت علمية اللسانيات وقدرة علومها لا على توصيف الألسن، بل على معاينة تنوّع الاستخدامات اللغوية في البيئة الثقافية الاجتماعية الواحدة.

الحياة العصرية

وهذه الدراسة تطمح إلى مقاربة ألفاظ الحياة العصرية وإسهامات الشباب في خلقها وترويجها افتراضاً ونحتاً وابتكاراً، عبر منظومة أشكال تعبيرية وأسلوبية مستجدة، فهي نموذج دينامي يتصدّر واجهة المشهد اللغوي اللبناني، وتتردد أصداؤه في غير بيئة عربية، نطل من خلالها على مروحة التنوعات والتحديدات اللغوية التي تلوّن الفضاء الاجتماعي الثقافي اللبناني الموصوف بقدرة أبنائه على جمع ثنائية المؤتلف والمختلف في صيغ تعبيرية مبتكرة تبدأ كما يقول برجل الشارع، مروراً بالطالب الجامعي، وبالموظف، وبالعامل، وصولاً الى الإعلامي، والفنان، والمعلن، ورجل السياسة، والأعمال، وسواهم من موجهّي الرأي العام ومنتجي مختلف خطابه.

كتاب في فصول أربعة الأول منه معنون بـ (رحلة المقترضات في لسان الضاد) عن تاريخية تسرب المقترضات الى الخطاب اليومي من خلال نماذج عرفها الجمهور في مطلع القرن المنصرم، وطوّعها لتلائم مخارج أصواته، واعتمدها، مقترضة لا معرّبة، في مختلف استخداماته. وهذا شاهد على أن المعطيات المجموعة خلال عملية تكوين المدونة يمكن أن تحلل من وجهة نظر تعاقبية أو تزامنية. كما واتبع ذلك بعرض لنماذج اقتراضية شائعة وشبابية المنحى.

أما في الفصل الثاني فلقد خصص لموضوع (استراتيجية الافتراض وآلياته) بما في ذلك موضوع صوغ الأفعال المقترضة التي تمثلنا على نماذج منها بعد أن توسعوا في مقاربة موضوع المعالجة الأكاديمية للمقترضات التي شملت دراسة المركبات اللغوية المستخدمة بأقلام الصحافيين والسياسيين والفنانين… فضلاً عن تلك التي ينتجها الشباب ويتداولونها مشافهة.

الفصل الثالث حمل عنوان (نماذج عن المقترضات الأجنبية في اللغة الشبابية) وقد شمل أغلب مراكز اهتمام الشباب وأماكن استقطابهم، أي الفضاءات المختلفة التي تشكل الحاضن الأساسي لاستهلاك المقترضات الوافدة، وتعديل بناها، وترويج صيغتها وأساليبها على أيدي الشباب.

يتميّز الفصل الرابع بتمحوره حول الجانب التطبيقي لمبدأ الاقتصاد في اللغة وللشباب فيه دور أساسي. ولقد استعرضوا به نماذج للمختصرات الشائعة على السن الشباب وفي الصحف وفي المجالات التربوية والاقتصادية والسياسية. وتطرقوا ايضاً فيه الى صيغ التعديل الشبابية بين الإلحاق والشقلبة والعفسنة ولغة العصفوري.

احتياجات الناطقين

كتاب سلّط المؤلف الضوء فيه على أهمية قراءة التحولات البنيوية والدلالية اللاحقة بالصيغ التعبيرية التي رصدها لدى مختلف الرواة اللغويين المستهدفين. ولقد عنى بذلك الشرائح الاجتماعية الأشد حراكاً على الصعيد المهني، والأكثر دينامية على الصعيد التعبيري مثال الشباب والصحافيين والفنانين… في ضوء سعيهم لتوظيف حصيلتهم اللغوية للفهم والإفهام ولمدّ جسور التواصل بعضهم بعض أولاً، ومع العالم من حولهم في مرتبة ثانية.

يذكر ايضاً بأنه مدرك بأن اشتغالية اللغة باعتبارها أداة للتواصل تحدد مدى تطورها على أيدي مستخدميها. وهذا الاشتغال اللغوي هو أكثر ما يكون لدى الشرائح الفاعلة والمؤثرة في مجتمعها والمحرّكة لبناه اللغوية. يضيف المؤلف بأن التطور اللغوي ودراسة معالمه يشكلان مربط الفرس في هذه الدراسة. وهما سعي حثيث للتلاؤم مع متطلبات الحاضر واحتياجات المستخدمين التي لا تعرف جموداً، ولا تتصف صور التعبير عنها السكونية أو الثبات.

وهنا بالذات اعتمد المؤلف المبدأ القائل إن أي لسان ليس بإمكانه أن يعمل، أي ينهض بمهامه التواصلية في كلا الاتجاهين إرسالاً وتلقياً، دون أن يتلاءم باستمرار مع احتياجات الناطقين به، المتبدلة بدورها والخاضعة لمسوغات لا بل لحوافز العرض والطلب، بمعنيهما التواصليين بالطبع.

هذا إذ كان الأمر متعلقاً بالمتكلمين العاديين؛ فكيف إذا اتصل بالشرائح الشبابية التي تفيض إمكانات تعبيرية.

ولقد استعاد سراج هنا مثالاً مبسطاً ردده اندريه مارتينه، رائد المدرسة اللسانية الوظيفية، حينما رغب في لفت الانتباه إلى بديهيات غفل عنها لدى مقاربته مسائل الاتصال وأشكاله، وخاصة تلك التي تقوم بين أجيال متباينة الأعمار كما في موضوع دراسة الشباب ولغة العصر.

قال: لن يكون بإمكاننا أن ندرك شيئاً عن بنية اللغة إذا ما أغفلنا أن الطفل يفهم حدّته دون أن يتماثل استخدامه اللغوي مع استخداماتها.

يضيف المؤلف أن هذا المثال المبسّط في دلالاته ومراميه يدعوه كي يفتح بين قوسين بأن باسطاعتنا اذاً أن نتفهم شبابنا، ونفهم الاستخدامات اللغوية المستجدة والغربية المتغرّبة، العائدة لهم، دون أن يعني هذا أنها متماثلة فعلاً أو حتى قابلة للتماثل مع استخداماتنا. ومتى وضعنا هذا المبدأ التوجيهي في إطاره العملي، نقول إن وصفاً تزامنياً لهذه الألفاظ الحياتية والعصرية عموماً، والشبابية تحديداً، يتضمن أن نرصد مواضع التغير وآلياته وأشكاله، التي لا تمنع بالضرورة عملية التواصل من أن تقوم بين طرفيه الأساسيين. كما يعني هذا ايضاً، ودائماً بمفردات الوظيفيين، أن الاشتغالية التزامنية لهذه الصيغ التعبيرية المستجدة التي عالجوها في متن دراستهم، لم يكن بالإمكان رصدها وتسجيلها وتوصيفها واستقراؤها إلا بعد أن تأكدوا بالتغييرات القائمة بين الأجيال ولدى الشرائح الاجتماعية المشمولة بالدراسة. يخوض هذا الكتاب في العديد من المجالات الحياتية العامة التي تخصّ عموم أفراد المجتمع بمن فيهم الشباب من الجنسين والظواهر اللغوية الاجتماعية المتنوعة، والمسكوت عن بعضها والمتنوعة الدلالات التي يقاربها المؤلف في الفصول الأربعة، فهو نسيج لغوي مبتكر سعى فيه المؤلف خلف سداه، وجمع فيه ما يجري على سنن لسان الضّد، أو المختلف الوافد الينا من معين اللغات الحيّة، يثبت أن اللغة لا تزال تشكّل الوسط الجاري الذي يسقطنا جميعاً في شركه. يقول سراج أجيالاً شابة كنا، أو جمهوراً عاماً، أو نخباً، أو علماء لغة ولسانيات. وهذه الحقيقة المعيوشة وغير المعلّقة هي ما تتجلّى عنه المقاربة العلمية للغة الحياة. وبالأحرى للغة الشباب المحتضنة ألفاظ الحياة العصرية.

نهايةً أقول في جميع الأحوال يبقى كتاب الشباب ولغة العصر للمؤلف نادر سراج، مرجعاً علمياً، في اتجاه الشباب ولغة العصر، لأنه كتاب على مستوى المثقفين وأهل الفكر، والرأي، فالمكتوب يقرأ من عنوانه ويدل على زبدة المضمون.

الكتاب: الشباب ولغة العصر

المؤلف: نادر سراج

الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون

المصدر: جريدة الإتحاد – عماد جانبيه

Previous Story

قيمة النفقات خلال يوم عيد الحب بلغ 17.8 مليار دولار

Next Story

بوكير يستدعي 22 لاعباً لمواجهة الامارات

Latest from Blog