رجال الشرفات

55 views
45 mins read

«رجال الشرفات» يقرأ ظاهرة تغطي مساحة كبيرة من الخريطة السياسية العالمية

مارد الشعبوية

يشهد العالم منذ ثمانينات القرن الماضي يقظة للشعبوية. كالمارد خرج هذا المصطلح من القمقم، وكأنه يؤشر لظهور مرحلة جديدة في الحياة السياسية، بحيث باتت الحركات الشعبوية تغطي مساحة كبيرة من الخريطة السياسية العالمية. واعتبار هذه الظاهرة آفة تصيب المجتمعات وخطراً يتهدد استقرارها مهما كان شكل الحكم فيها.

تقول الكاتبة منى خويص في كتابها “رجال الشرفات” الصادر عن دار الفارابي بيروت ان الظاهرة الشعبوية ليست وليدة ثمانينات القرن العشرين، بل إن العالم قد عرفها من قبل؛ ومنذ الحرب العالمية الثانية، انكفأت الشعبوية في أوروبا، وانتعشت في دول العالم الثالث.

يعتبر عدد كبير من المفكرين اليوم أن الشعبوية عادت الى الواجهة في العمل السياسي في الغرب، وهم يحذرون من خطرها على الديمقراطية هناك، في حين توجد شريحة أخرى من المفكرين الغربيين الذين لا يوافقون على ما يسمى بعودة الشعبوية الى الساحة السياسية في المجتمعات الحديثة، ويتطلعون الى الحركات التي يصفونها بالشعبوية كحركات نشأت عن ازمة في الديمقراطية التمثيلية، وهي تهدف الى انتزاع المزيد من المطالب التي يشعر المواطنون أنهم بحاجة الى تحقيقها. كما وأن هناك تياراً آخر يرى أن الغرب يعاني اليوم بالفعل من عودة للشعبوية إلا أنها عودة غير مقلقة، ولا تنذر بأي مؤشرات خطرة، ولا تستدعي كل هذه المخاوف، لا على الديمقراطية ولا على الحياة السياسية.

جدل غربي

إذن هناك جدل في الغرب حول عودة الشعبوبة كظاهرة في الحياة السياسية. لماذا هذا الجدل في الغرب؟ وهل ان الحركات التي تصنف هناك على انها حركات شعبوية هي شعبوية فعلاً؟ وماذا عن الظاهرة في مجتمعات العالم الثالت، فهل هي فعلاً منتعشة، وتحتل المشهد الشياسي داخل تلك المجتمعات؟ هذا اضافة الى أن الشعبوية لم تنل، حتى اللحظة، تعريفها المحدد في البحث التاريخي.

تحاول المؤلفة من خلال هذا الكتاب اظهار مفهوم الشعبوية وملاحقة حالتها من جميع جوانبها وحتى في الخطب السياسية، وفي الشخصية القيادية ضمن فصول خمس يبدأ بالفصل الأول ويعرض المناخ العام والذي لا تبصر النور فيه أي حركة سياسية إذا لم تتكئ في صعودها على الشعبوية، حتى الحركات التي امتطت الفكر الأيديولوجي اضطرت إلى تحريف هذا الفكر وإلباسه العباءة الشعبوية للوصول الى تحقيق اهدافها.

تذكر المؤلفة بأن إنكفاء الشعبوية في أوروبا يعود حسب مجمل المفكرين لديمقراطية تلك المجتمعات؛ فالحرية السياسية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقانون، القانون في أيّ مجتمع من المجتمعات يقف سداً منيعاً في وجه الشعبوية. كما أن هناك سداً آخر أكثر مناعة يتمثل بالعقل؛ والتاريخ أثبت أن كل الحركات الشعبوية كانت مصائرها كارثية.

أما في مجتمعات العالم الثالث، التي لم تطرق الحداثة بابها، ولا تزال تدور في رحابها التخلف والجهل وغياب الفكر العقلاني، مناخاته العامة تهيء أرضية ثابتة وتربة خصبة لبروز الشعبوية فيها.تقول منى خويص ليس هناك فكر للعالم الثالث ولو حلمنا بذلك، لهذ العالم قاسم مشترك وهو ما يعرف بحركات التحرر الوطني ومبرراتها، وتقنيات تأسيس الدولة والأسباب المبررة لها التي تقع في نطاق واحد هو نطاق النير الإستعماري مع نتائجه الاجتماعية، المادية والفكروية ذاتها. وتقول عن اسباب يقظة الشعبوية في اوروبا تقف وراءها مجاميع معارضة للعولمة باعتبارها سبباً لكل الشرور. وقد نشأت حركات تنتمي الى ما يسمى باليمين المتطرف، والتي تطلق على نفسها اسماء مختلفة، كالنازيين الجدد، والفاشيين الجدد، وعدد كبير من الحركات المعادية للأجانب وللمهاجرين والرافضة للعولمة والمدافعة عن الهوية الوطنية. ولقد استطاعت هذه الحركات ، ومنذ ظهورها الأول وحتى اليوم، أن تتمدد وتنتشر على مساحة واسعة من القارة الأوروبية، بحيث نجدها في كل من: سويسرا، النمسا، رومانيا، المانيا، فرنسا، هولندا، البرتغال. واستطاعت هذه الحركات أن تحتل حيزاً مقلقاً في المجال السياسي، بحيث اصبحت قادرة على ايصال ما نسبته 20% الى البرلمانات، وهذه نسبة مقلقة بالنسبة للنخب الحاكمة.

فصل تعرض فيه نماذج شعبوية في العالم، وأسئلة لتحديد معنى الشعبوية، وماهيتها، وماهي بالتحديد، ووفق اي آليات تعمل، وهل هي حركة سياسية مرتبطة بأزمات معينة في المجتمعات، أم انها ثقافة، او ايديولوجية، أو احدى السمات القيادية، بمعنى انها تتعلق بالشخصية القيادية، أم انها إحدى سمات الجمهور في لحظة معينة، أو نوعية خطاب، أو اسلوب في ادارة المعارك السياسية او ادارة السلطة، أم احدى الوسائل الدعائية التي تستعملها النخب الحاكمة في معرض التعبئة الجماهيرية. اما الفصل الثاني فيحمل تعريف الشعبوية عنواناً ب خلاصة حول اعتبار الشعبوية مرضاً عابراً، وهي تتسبب في ايذاء المجتمعات التي تصيبها، لكن في نهابة المطاف تختفي من دون ان تترك لها اي أثر، قد يصح في المجتمعات الحديثة، الا انه في مجتمعات العالم الثالث فهي تبدو كمرض مزمن لا ينجح معه اي دواء. تعود المؤلفة وتنطلق من امثلة عرضتها في كتابها هذا لتتحدث عن شكل الحكم الذي تشيده الحركات التي توصف فعلاً بالشعبوية، بعد اطاحتها بشكل الحكم أو الدولة التي قوضتها.

وفي الفصل الثالث تعرض نماذج الحكم التي تنتجها الحركات الشعبوية قائلة ان مصير كل الحركات الشعبوية التي عرفها التاريخ ، والتي كانت بمجملها نهايات كارثية، الا ان احداً لا يتعظ من التاريخ فالشعبويون لطالما تميزوا بالغرور والمكابرة لا بل اكثر بجنون العظمة، داء يعمي البصيرة ويفقد صاحبه القدرة على تقدير الأمور، مما يدفعه في نهاية المطاف الى السقوط المدوي، وكأنهم يرسمون بأنفسهم نهاياتهم. وهذا ما حصل لهتلر، ولموسوليني، وستالين، ولصدام حسين، لزين العابدين بن علي، لحسني مبارك، ولمعمر القذافي، والتاريخ مليء بالشواهد كما تقول.

ضد الديمقراطية

فإذا كانت الحركات ذات الملمح الشعبوي في المجتمعات الديمقراطية تنهار قبل بلوغ نهاياتها كون الدولة الحديثة الديمقراطية قادرة على ابتلاعها، فإنها على العكس، وفي المجتمعات ذات المناخات الشعبوية تقف هذه الأخيرة في وجه أي ملمح ديمقراطي لأي حركة بداخلها.

وتعرض ايضاً في الفصل الرابع سؤالاً عن هل ان الديمقراطية تشكل مقتلاً للشعبوية، حيث تقول تُختصر الشعبوية احياناً في كونها خطاباً فحسب، وهذا اجتزاء في النظر اليها كظاهرة.تصفها كما سبق وذكرت مناخ عام في المجتمع، كما وأن الإلتباس في تعريفها يتأتى من مكونات هذا الخطاب الشعبوي، والذي يتقاطع في مكوناته مع مفاهيم سياسية أخرى. فقد أجمع كل المفكرين على اعتبار الشعبوية احدى الآفات التي تصيب المجتمعات، وخطورتها ليس في كونها تهدد الديمقراطية كما انطلق عدد كبير من المفكرين عند تناولها كظاهرة، بل إن خطورتها تكمن في وقوفها في وجه قيام مشروع الدولة، بمعنى إما أن يكون هناك سلطة شعبوية وغياب لمفهوم الدولة وإما تحضر الدولة وتنكفىء الشعبوية.

أما في الفصل الخامس والأخير والذي هو نهاية البحث تتوقف المؤلفة عند بعض النماذج لما يعرف بالقادة الشعبويين، لتبين ، من خلال نقاط التقاطع في ما بينهم، كيف انهم ينتمون الى صنف واحد، ولون واحد، وبيئة واحدة، وخطاب واحد.

واعطت مثالاً على ذلك اسماء لتسهيل عملية المقارنة، منهم الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، الرئيس هوغو تشافيز، الرئيس الكوبي فيدل كاسترو، والتي تعتبرهم آتون من خلفية واحدة، الثورة والتغيير ارساءً اللعدالة الإجتماعية. فتعتبر ان القادة الشعبويين يتميزون بكونهم جميعاً ابناء بيئة فقيرة والتي هي المنطلق الذي يتوجهون اليها، منها انطلقوا وبها يحاربون، ومن أجلها يعملون، ويحرصون على أن يظهروا للعيان التواضع في نمط العيش والبعد عن مظاهر البذخ، وكما تصفهم بأنهم ومعظمهم ينهب ثروات بلاده الوطنية برمتها، وتعرض ايضاً القاسم المشترك فيما بينهم، في اسلوب ادارة حكمهم ولغتهم وشخصيتهم، والممارسات على جماهيرهم.

الكتاب: رجال الشرفات

الكاتبة: منى خويص

الناشر: دار الفارابي – بيروت

المصدر: جريدة الإتحاد – عماد جانبيه

Previous Story

التينور غبريال عبد النور في الجرس: تقييم علمي لأصوات الفنانين

Next Story

سحـب عبوة 300 ملليلتر من « بيــــــبـسي » و« كـوكا كــولا » من الأسـواق اليــوم

Latest from Blog

المير الأصيل

المير الأصيل سيماؤه في إطلالته، ولكل امرئ من اسمه نصيب”، هذا ما قاله العرب قديماً. انه